تعالى : (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ* أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٢ ـ ١٣٣] وهكذا كانت هداية الله لهذا الجيل من الأنبياء ، بما فتح الله قلوبهم لرسالته ، وأعدّهم لدعوته ، وملأ قلوبهم بالحكمة ، وحياتهم بالتقوى ، فأمكنهم ـ من خلال ذلك ـ أن يكونوا الدعاة الهداة ، المبشرين المنذرين الذين تتحول حياتهم إلى رسالة ورسالتهم إلى حياة ، فيتجاوزون حدود الزمن ، فلا تتحدد آفاقهم بحجم اللحظات التي عاشوها في عمرهم ، بل تمتد لتكون تاريخا في أعمار الآخرين ، لأنّ رسالتهم لا تمثل فكرهم وتجربتهم المحدودة ، بل تمثل الحقيقة التي يحملها الله إلى الناس كلهم في كل زمان ومكان ، لتكون الصراط المستقيم في جميع أمورهم وقضاياهم ، فلا يبقى هناك مجال لاعوجاج في الفكر ، ولا انحراف في الطريق.
وقد اختلفت أجواء هؤلاء الأنبياء ، باختلاف حاجات محيطهم التي يعيشها ، روحيا وعمليا ، (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ) وكان منهم نوح ـ النبيّ ، الذي ذكره الله كنموذج سبق الجيل الإبراهيميّ من الأنبياء ، باعتباره النبيّ الأوّل في سلسلة النبوّات المتحركة في خطّ الدعوة ، فكان المثال الرائع للإنسان ـ الرسول الذي تتجدد قوته الداخلية ، كلما تجددت التحديات التي يلقاها من الكافرين بدعوته ، فلا ينهار ولا يتزلزل ، ولا يتنازل ، بل يندفع ليكرّر التجربة. ويؤكّد الرسالة كموقف وحيد للحياة ، ويسخر منه الآخرون فلا يزيده ذلك إلّا قوّة في الروح والموقف ، فيسخر منهم بشجاعة الإنسان الذي يدرك أن الله معه.
وجاء الطوفان ليشكل نهاية الجيل الكافر ، ليبدأ نوح الدعوة مع جيل جديد إلى الإيمان بالله ... لتبدأ الحياة بعيدا عن الحواجز الضاغطة من قبل
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
