للإنسان معناها وجها لوجه (قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها) فاستعرضوا تاريخكم في ما مضى من عمركم ، وفي ما عاشه الآخرون من رفاقكم ، في غمار تلك الظلمات .. ولن يقتصر الأمر عليها ، فهناك أكثر من مشكلة تمر بكم ، وأكثر من مصيبة تحلُّ بكم ، فينجيكم منها ، (وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ) مما يغمّ القلب ، ويكرب النفس ، فيفرج عنكم الغمّ ويكشف الكرب ، ولكنكم لا تلتزمون بعهدكم أمامه ، فسرعان ما تعاودون الكرة فتشركون به غيره في العقيدة تارة ، وفي العبادة أخرى (ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ). ولكن هل فكرتم جيّدا في موقع الله في حياتكم؟ فإنَّ القادر على أن ينجيكم من ظلمات البر والبحر ومن كل كرب ، قادر على أن يقلب حياتكم رأسا على عقب ، ويدمّر كل وجودكم ، فكيف تأمنون مكر الله وعذابه ، في ما تستمرون به من شرك وعصيان.
* * *
أسلوب القرآن في فتح قلوب المشركين على الحقيقة
(قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) فكيف تتفادون ذلك كله إن عصيتم وتمرّدتم؟ ولعلّ الإيحاء بإحاطة العذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم حيث يتساقط عليهم من السماء ، أو يطلع إليهم من أعماق الأرض ، يثير الشعور بالفزع والرعب والهول ، لأن الإنسان لا يملك الوسيلة الذاتية التي تحقق له السيطرة عليه ، أو الهروب منه ، بينما يملك دفع العذاب إذا جاء من طريق اليمين والشمال .. (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) في ما يمثّله ذلك من عذاب يوميّ ، نفسيّ وعمليّ ، متحرك يأخذ على الإنسان كل حياته ليجعلها في قبضة التمزيق ، من خلال ما يثيره تفرق المجتمع إلى شيع وأحزاب من نوازع العصبية البغيضة ، والحقد العميق ، مما يؤدّي إلى التقاتل والتدافع ، ويدفع إلى المزيد من الآلام والخسائر ومظاهر الخراب والدمار ، خاصة إذا ما جاء ذلك من الأيدي
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3270_tafsir-men-wahi-alquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
