(فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ) (٩١)
____________________________________
من جهتى (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) لأنفسهم بتعريضها للهلكة حيث بادرت إلى المهاجرة (فَاسْتَجَبْنا لَهُ) أى دعاءه الذى دعاه فى ضمن الاعتراف بالذنب على ألطف وجه وأحسنه عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ) بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات كان فيها فى بطنه وقيل بعد ثلاثة أيام وقيل الغم غم الالتقام وقيل الخطيئة (وَكَذلِكَ) أى مثل ذلك الإنجاء الكامل (نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) من غموم دعوا الله تعالى فيها بالإخلاص لا إنجاء أدنى منه وفى الإمام نجى فلذلك أخفى الجماعة النون الثانية فإنها تخفى مع حروف الفم وقرىء بتشديد الجيم على أن أصله ننجى فحذفت الثانية كما حذفت التاء فى تظاهرون وهى وإن كانت فاء فحدفها أوقع من حذف حرف المضارعة التى لمعنى ولا يقدح فيه اختلاف حركتى النونين فإن الداعى إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإدغام وامتناع الحذف فى تتجافى لخوف اللبس وقيل هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر وسكن آخره تخفيفا ورد بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور والماضى لا يسكن آخره (وَزَكَرِيَّا) أى واذكر خبره (إِذْ نادى رَبَّهُ) وقال (رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً) أى وحيدا بلا ولد يرثى (وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ) فحسبى أنت إن لم ترزقنى وارثا (فَاسْتَجَبْنا لَهُ) أى دعاءه (وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى) وقد مر بيان كيفية الاستجابة والهبة فى سورة مريم (وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ) أى أصلحناها للولادة بعد عقرها أو أصلحناها للمعاشرة بتحسين خلقها وكانت حردة وقوله تعالى (إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) تعليل لما فصل من فنون إحسانه تعالى المتعلقة بالأنبياء المذكورين أى كانوا يبادرون فى وجوه الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم فى أصل الخير وهو السر فى إيثار كلمة فى على كلمة إلى المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات متوجهين إليها كما فى قوله تعالى (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ (وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً) ذوى رغب ورهب أو راغبين فى الثواب راجين للإجابة أو فى الطاعة وخائفين العقاب أو المعصية أو للرغب والرهب (وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ) أى مخبتين متضرعين أو دائمى الوجل والمعنى أنهم نالوا من الله تعالى ما نالوا بسبب اتصافهم بهذه الخصال الحميدة (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) أى اذكر خبر التى أحصنته على الإطلاق من الحلال والحرام والتعبير عنها بالموصول لتفخيم شأنها وتنزيهها عما زعموه فى حقها آثر ذى أثير (فَنَفَخْنا فِيها) أى أحيينا عيسى فى جوفها (مِنْ رُوحِنا) من الروح الذى هو من أمرنا وقيل فعلنا النفخ فيها من جهة روحنا جبريل
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
