(وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (٥٤)
____________________________________
من يتذكر وصف بالوصف الأخير للتوراة لمناسبة المقام وموافقته لما مر فى صدر السورة الكريمة (مُبارَكٌ) كثير الخير غزير النفع يتبرك به (أَنْزَلْناهُ) إما صفة ثانية لذكر أو خبر آخر (أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) إنكار لإنكارهم بعد ظهور كون إنزاله كإيتاء التوراة كأنه قيل أبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة فى الإيتاء والإيحاء أنتم منكرون لكونه منزلا من عندنا فإن ذلك بعد ملاحظة حال التوراة مما لا مساغ له أصلا (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ) أى الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار وهو الاهتداء الكامل المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحى والاقتدار على إصلاح الأمة باستعمال النواميس الإلهية وقرىء رشده وهما لغتان كالحزن والحزن (مِنْ قَبْلُ) أى من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة وتقديم ذكر إيتائها لما بينه وبين إنزال القرآن من الشبه التام وقيل من قبل استنبائه أو قبل بلوغه ويأباه المقام (وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) أى بأنه أهل لما آتيناه وفيه من الدليل على أنه تعالى عالم بالجزئيات مختار فى أفعاله مالا يخفى (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ) ظرف لآتينا على أنه وقت متسع وقع فيه الإيتاء وما ترتب عليه من أفعاله وأقواله وقيل مفعول لمضمر مستأنف وقع تعليلا لما قبله أى اذكر وقت قوله لهم (ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ) لتقف على كمال رشده وغاية فضله والتمثال اسم لشىء مصنوع مشبه بخلق من خلائق الله تعالى وهذا تجاهل منه عليهالسلام حيث سألهم عن أصنامهم بما التى يطلب بها بيان الحقيقة أو شرح الاسم كأنه لا يعرف أنها ماذا مع إحاطته بأن حقيقتها حجر أو شجر اتخذوها معبودا وعبر عن عبادتهم لها بمطلق العكوف الذى هو عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشىء لغرض من الأغراض قصدا إلى تحقيرها وإذلالها وتوبيخا لهم على إجلالها واللام فى لها للاختصاص دون التعدية وإلا لجىء بكلمة على والمعنى أنتم فاعلون العكوف لها وقد جوز تضمين العكوف معنى العبادة كما ينبىء عنه قوله تعالى (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) أجابوا بذلك لما أن مآل سؤاله عليهالسلام الاستفسار عن سبب عبادتهم لها كما ينبىء عنه وصفه عليهالسلام إياهم بالعكوف لها كأنه قال ماهى هل تستحق ما تصنعون من العكوف عليها فلما لم يكن لهم ملجأ يعتد به التجأوا إلى التقليد فأبطله عليهالسلام على طريقة التوكيد القسمى حيث (قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ) الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة (فِي ضَلالٍ) عجيب لا يقادر قدره (مُبِينٍ) أى ظاهر بين بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء كونه كذلك ومعنى كنتم مطلق استقرارهم على الضلال لا استقرارهم الماضى الحاصل قبل زمان الخطاب المتناول لهم ولآبائهم أى والله لقد كنتم مستقرين على ضلال عظيم
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
