(قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) (٣٠)
____________________________________
وتنبيها على جهلهم وعدم فهمهم لمعنى مقالته فإن بيان ربوبيته تعالى للسموات والأرض وما بينهما وإن كان متضمنا لبيان ربوبيته تعالى للخافقين وما بينهما لكن لما لم يكن فيه تصريح باستناد حركات السموات وما فيها وتغيرات أحوالها وأوضاعها وكون الأرض تارة مظلمة وأخرى منورة إلى الله تعالى أرشدهم إلى طريق معرفة ربوبيته تعالى لما ذكر فإن ذكر المشرق والمغرب منبىء عن شروق الشمس وغروبها المنوطين بحركات السموات وما فيها على نمط بديع بترتب عليه هذه الأوضاع الرصينة وكل ذلك أمور حادثة مفتقرة إلى محدث قادر عليم حكيم لا كذوات السموات والأرض التى ربما يتوهم جهلة المتوهمين باستمرارها استغناءها عن الموجد المتصرف (إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أى إن كنتم تعقلون شيئا من الأشياء أو إن كنتم من أهل العقل علمتم أن الامر كما قلته وفيه إيذان بغاية وضوح الأمر بحيث لا يشتبه على من له عقل فى الجملة وتلويح بأنهم بمعزل من دائرة العقل وأنهم المتصفون بما رموه عليه الصلاة والسلام به من الجنون (قالَ) لما سمع اللعين منه عليه الصلاة والسلام تلك المقالات المبنية على أساس الحكم البالغة وشاهد شدة حزمه وقوة عزمه على تمشية أمره وأنه ممن لا يجارى فى حلبة المحاورة ضرب صفحا عن عن المقاولة بالإنصاف ونأى بجانبه إلى عدوة الجور والاعتساف فقال مظهرا لما كان يضمره عند السؤال والجواب (لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) لم يقتنع منه عليه الصلاة والسلام بترك دعوى الرسالة وعدم التعرض له حتى كلفه عليه الصلاة والسلام أن يتخذه إلها لغاية عتوه وغلوه فيما فيه من دعوى الألوهية وهذا صريح فى أن تعجبه وتعجيبه من الجواب الأول ونسبته عليه الصلاة والسلام إلى الجنون فى الجواب الثانى كان لنسبته عليه الصلاة والسلام الربوبية إلى غيره وأما ما قيل من أن سؤاله كان عن حقيقة المرسل وتعجبه من جوابه كان لعدم مطابقته له لكونه بذكر أحواله فلا يساعده النظم الكريم ولا حال فرعون ولا مقاله واللام فى المسجونين للعهد أى لأجعلنك ممن عرفت أحوالهم فى سجونى حيث كان يطرحهم فى هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك لم يقل لأسجننك (قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) أى أتفعل بى ذلك ولو جئتك بشىء مبين أى موضح لصدق دعواى يريد به المعجزة فإنها جامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته وبين الدلالة على صدق دعوى من ظهرت على يده والتعبير عنها بالشىء للتهويل قالوا الواو فى أولو جئتك للحال دخلت عليها همزة الاستفهام أى جائيا بشىء مبين وقد سلف منا مرار أنها للعطف وأن كلمة لو ليست لانتفاء الشىء فى الزمان الماضى لانتفاء غيره فيه فلا يلاحظ لها جواب قد حذف تعويلا على دلالة ما قبلها عليه ملاحظة قصدية إلا عند القصد إلى بيان الإعراب على القواعد الصناعية بل هى لبيان تحقق ما يفيده الكلام السابق من الحكم الموجب أو المنفى على كل حال مفروض من الأحوال المقارنة له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدها منافاة له ليظهر
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
