(وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) (٢٢)
____________________________________
موسى عليهالسلام فقال عند ذلك (أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا) فى حجرنا ومنازلنا (وَلِيداً) أى طفلا عبر عنه بذلك لقرب عهده بالولادة (وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) قيل لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج إلى مدين وأقام بها عشر سنين ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله عزوجل ثلاثين سنة ثم بقى بعد الغرق خمسين سنة وقيل وكز القبطى وهو ابن اثنتى عشرة سنة وفر منهم على إثر ذلك والله أعلم (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) يعنى قتل القبطى بعد ما عدد عليه نعمته من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال وبخه بما جرى عليه من قتل خبازه وعظم ذلك وفظعه وقرىء فعلتك بكسر الفاء لأنها كانت نوعا من القتل (وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) أى بنعمتى حيث عمدت إلى قتل رجل من خواصى أو أنت حينئذ ممن تكفرهم الآن وقد افترى عليه عليه الصلاة والسلام أو جهل أمره عليه الصلاة والسلام حيث كان يعايشهم بالتقية وإلا فأين هو عليه الصلاة والسلام من مشاركتهم فى الدين فالجملة حينئذ حال من إحدى التاءين ويجوز أن يكون حكما مبتدأ عليه بأنه من الكافرين بالهيته أو ممن يكفرون فى دينهم حيث كانت لهم آلهة يعبدونها أو من الكافرين بالنعم المعتادين لغمطها ومن اعتاد ذلك لا يكون مثل هذه الجناية بدعا منه (قالَ) مجيبا له مصدقا له فى القتل ومكذبا فيما نسبه إليه من الكفر (فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) أى من الجاهلين وقد قرىء كذلك لا من الكافرين كما زعمت افتراء أى من الفاعلين فعل الجهلة والسفهاء أو من المخطئين لأنه لم يتعمد قتله بل أراد تأديبه أو الذاهبين عما يؤدى إليه الوكز أو الناسين كقوله تعالى (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ) إلى ربى (لَمَّا خِفْتُكُمْ) أن تصيبونى بمضرة وتؤاخذونى بما لا أستحقه بجنايتى من العقاب (فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً) أى حكمة أو نبوة (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) رد أولا بذلك ما وبخه به قدحا فى نبوته ثم كر على ما عده عليه من النعمة ولم يصرح برده حيث كان صدقا غير قادح فى دعواه بل نبه على أن ذلك كان فى الحقيقة نقمة فقال (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) أى تلك التربية نعمة تمن بها على ظاهرا وهى فى الحقيقة تعبيدك بنى إسرائيل وقصدك إياهم بذبح أبنائهم فإنه السبب فى وقوعى عندك وحصولى فى تربيتك وقيل إنه مقدر بهمزة الإنكار أى أو تلك نعمة تمنها على وهى أن عبدت بنى إسرائيل ومحل أن عبدت الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من نعمة أو الجر بإضمار الباء أو النصب بحذفها وقيل تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة وأن عبدت عطف بيان لها والمعنى تعبيدك بنى إسرائيل نعمة تمنها على وتوحيد الخطاب فى تمنها وجمعه فيما قبله لأن المنة منه خاصة والخوف والفرار منه ومن ملئه
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
