(وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً) (٥٣)
____________________________________
والأنواء أمارات لجعله تعالى (وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً) نبيا ينذر أهلها فيخف عليك أعباء النبوة لكن لم نشأ ذلك فلم نفعله بل قصرنا الأمر عليك حسبما ينطق به قوله تعالى (لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) إجلالا لك وتعظيما وتفضيلا لك على سائر الرسل (فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ) أى فقابل ذلك بالثبات والاجتهاد فى الدعوة وإظهار الحق والتشدد معهم كأنه نهى لرسول الله صلىاللهعليهوسلم عن المداراة معهم والتلطف فى الدعوة لما أنه صلىاللهعليهوسلم كان يود أن يدخلوا فى الإسلام ويجتهد فى ذلك بتأليف قلوبهم أشد الاجتهاد (وَجاهِدْهُمْ بِهِ) أى* بالقرآن بتلاوة ما فى تضاعيفه من القوارع والزواجر والمواعظ وتذكير أحوال الأمم المكذبة (جِهاداً كَبِيراً) فإن دعوة كل العالمين على الوجه المذكور جهاد كبير لا يقادر قدره كما وكيفا وقيل الضمير المجرور لترك الطاعة المفهوم من النهى عن الطاعة وأنت خبير بأن مجرد ترك الطاعة يتحقق بلا دعوة أصلا وليس فيه شائبة الجهاد فضلا عن الجهاد الكبير اللهم إلا أن تجعل الباء للملابسة ليكون المعنى وجاهدهم بما ذكر من أحكام القرآن الكريم ملابسا بترك طاعتهم كأنه قيل فجاهدهم بالشدة والعنف لا بالملاءمة والمداراة كما فى قوله تعالى (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وقد جعل الضمير لما دل عليه قوله تعالى (وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً) من كونه صلىاللهعليهوسلم نذير كافة القرى لأنه لو بعث فى كل قرية نذير لوجب على كل نذير مجاهدة قريته فاجتمعت على رسول الله صلىاللهعليهوسلم تلك المجاهدات كلها فكبر من أجل ذلك جهاده وعظم فقيل له صلىاللهعليهوسلم وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهادا كبيرا جامعا لكل مجاهدة وأنت خبير بأن بيان سبب كبر المجاهدة بحسب الكمية ليس فيه مزيد فائدة فإنه بين بنفسه وإنما اللائق بالمقام بيان سبب كبرها وعظمها فى الكيفية (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) أى خلاهما متجاوزين متلاصقين بحيث لا يتمازجان من مرج دابته إذا خلاها (هذا عَذْبٌ فُراتٌ) قامع للعطش لغاية عذوبته (وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ) بليغ الملوحة وقرىء ملح فلعله تخفيف مالح كبرد فى بارد (وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً) حاجزا غير مرئى من قدرته كما فى قوله تعالى (بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها* (وَحِجْراً مَحْجُوراً) وتنافرا مفرطا كأن كلامهما يتعوذ من الآخر بتلك المقالة وقيل* حدا محدودا وذلك كدجلة تدخل البحر وتشقه وتجرى فى خلاله فراسخ لا يتغير طعمها وقيل المراد بالبحر العذب النهر العظيم وبالمالح البحر الكبير وبالبرزخ ما بينهما من الأرض فيكون أثر القدرة فى الفصل واختلاف الصفة مع أن مقتضى طبيعة كل عنصر التضام والتلاصق والتشابه فى الكيفية.
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
