(لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) (٥٥)
____________________________________
تمنى بمعنى قرأ كقوله[تمنى كتاب الله أول ليلة * تمنى داود الزبور على رسل] وأمنيته قراءته وإلقاء الشيطان فيها أن يتكلم بذلك رافعا صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبى صلىاللهعليهوسلم وقدرد بأنه أيضا يخل بالوثوق بالقرآن ولا يندفع بقوله تعالى (فَيَنْسَخُ اللهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ) لأنه أيضا يحتمله ٥٣ وفى الآية دلالة على جواز السهو من الأنبياء عليهمالسلام وتطرق الوسوسة إليهم (لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) علة لما ينبىء عنه ما ذكر من إلقاء الشيطان من تمكينه تعالى إياه من ذلك فى حق النبى صلىاللهعليهوسلم خاصة كما يعرب عنه سياق النظم الكريم لما أن تمكينه تعالى إياه من الإلقاء فى حق سائر الأنبياء عليهمالسلام لا يمكن تعليله بما سيأتى وفيه دلالة على أن ما يلقيه أمر ظاهر يعرفه المحق والمبطل (فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) أى شك ونفاق كما فى قوله تعالى (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) الآية (وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ) أى المشركين (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ) أى الفريقين المذكورين فوضع الظاهر موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم مع ما وصفوا به من المرض والقساوة (لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) أى عداوة شديدة ومخالفة تامة ووصف الشقاق بالبعد مع أن الموصوف به حقيقة هو معروضه للمبالغة والجملة اعتراض تذييلى مقرر لمضمون ما قبله (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ) أى القرآن (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أى هو الحق النازل من عنده تعالى وقيل ليعلموا أن تمكين الشيطان من الإلقاء هو الحق المتضمن للحكمة البالغة والغاية الجميلة لأنه مما جرت به عادته فى جنس الإنس من لدن آدم عليهالسلام فحينئذ لا حاجة إلى تخصيص التمكين فيما سبق بالإلفاء فى حقه عليهالسلام لكن يأباه قوله تعالى (فَيُؤْمِنُوا بِهِ) أى بالقرآن أى يثبتوا على الإيمان به أو يزدادوا إيمانا برد ما يلقى الشيطان فتخبت له قلوبهم بالانقياد والخشية والإذعان لما فيه من الأوامر والنواهى ورجع الضميرين لا سيما الثانى إلى تمكين الشيطان من الإلقاء مما لا وجه له (وَإِنَّ اللهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا) أى فى الأمور الدينية خصوصا فى المداحض والمشكلات التى من جملتها ما ذكر (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) هو النظر الصحيح الموصل إلى الحق الصريح والجملة اعتراض مقرر لما قبله (وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ) أى فى شك وجدال (مِنْهُ) أى من القرآن وقيل من الرسول صلىاللهعليهوسلم والأول هو الأظهر بشهادة ما سبق من قوله تعالى (ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آياتِهِ) وقوله تعالى (أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ) وما لحق من قوله تعالى (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) وأما تجويز كون الضمير
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
