(هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) (٢٢)
____________________________________
طاعة وعبادة ومن قضيته انتفاء ذلك عن بعضهم وقيل هو مرفوع على الابتداء حذف خبره ثقة بدلالة خبر قسيمه عليه نحو حق له الثواب والأول هو الأولى لما فيه من الترغيب فى السجود والطاعة وقد جوز أن يكون من الناس خبرا له أى من الناس الذين هم الناس على الحقيقة وهم الصالحون والمتقون وأن يكون قوله تعالى (وَكَثِيرٌ) معطوفا على كثير الأول للإيذان بغاية الكثرة ثم يخبر عنهم باستحقاق العذاب كأنه* قيل وكثير وكثير من الناس (حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) أى بكفره واستعصائه وقرىء حق بالضم وحقا أى حق عليه العذاب حقا (وَمَنْ يُهِنِ اللهُ) بأن كتب عليه الشقاوة حسبما علمه من صرف اختياره إلى الشر (فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) يكرمه بالسعادة وقرىء بفتح الراء على أنه مصدر ميمى (إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) من الأشياء* التى من جملتها الإكرام والإهانة (هذانِ) تعيين لطرفى الخصام وإزاحة لما عسى يتبادر إلى الوهم من كونه بين كل واحدة من الفرق الست وبين البواقى وتحرير لمحله أى فريق المؤمنين وفريق الكفرة المقسم إلى الفرق الخمس (خَصْمانِ) أى فريقان مختصمان وإنما قيل (اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) حملا على المعنى أى اختصموا* فى شأنه عزوجل وقيل فى دينه وقيل فى ذاته وصفاته والكل من شئونه تعالى فإن اعتقاد كل من الفريقين بحقية ما هو عليه وبطلان ما عليه صاحبه وبناء أقواله وأفعاله عليه خصومة للفريق الآخر وإن لم يجر بينهما التحاور والخصام وقيل تخاصمت اليهود والمؤمنون فقالت اليهود نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم وقال المؤمنون نحن أحق بالله منكم آمنا بمحمد وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم كفرتم به حسدا فنزلت (فَالَّذِينَ كَفَرُوا) تفصيل لما أجمل فى قوله تعالى (يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (قُطِّعَتْ لَهُمْ) أى قدرت على مقادير جثثهم وقرىء بالتخفيف (ثِيابٌ مِنْ نارٍ) أى نيران هائلة تحيط بهم إحاطة الثياب بلابسها (يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ) أى الماء الحار الذى انتهت حرارته قال ابن عباس* رضى الله عنهما لو قطرت قطرة منها على جبال الدنيا لأذابتها والجملة مستأنفة أو خبر ثان للموصول أو حال من ضمير لهم (يُصْهَرُ بِهِ) أى يذاب (ما فِي بُطُونِهِمْ) من الأمعاء والأحشاء وقرىء يصهر بالتشديد (وَالْجُلُودُ) عطف على ما وتأخيره عنه إما لمراعاة الفواصل أو للإشعار بغاية شدة الحرارة بإيهام أن تأثيرها فى الباطن أقدم من تأثيرها فى الظاهر مع أن ملابستها على العكس والجملة حال من الحميم (وَلَهُمْ) للكفرة أى لتعذيبهم وأجلهم (مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) جمع مقمعة وهى آلة القمع (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها) أى أشرفوا على
![تفسير أبي السّعود [ ج ٦ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3246_tafseer-abi-alsaud-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
