(تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) (٦٥)
____________________________________
أى يثبتون له سبحانه وينسبون إليه فى زعمهم (ما يَكْرَهُونَ) لأنفسهم مما ذكر وهو تكرير لما سبق تثنية* للتقريع وتوطئة لقوله تعالى (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ) أى يجعلون له تعالى ما يجعلون ومع ذلك تصف* ألسنتهم الكذب وهو (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى) العاقبة الحسنى عند الله تعالى كقوله (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي* عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) وقرىء الكذب وهو جمع الكذوب على أنه صفة الألسنة (لا جَرَمَ) رد لكلامهم ذلك* وإثبات لنقيضه أى حقا (أَنَّ لَهُمُ) مكان ما أملوا من الحسنى (النَّارَ) التى ليس وراء عذابها عذاب وهى* علم فى السو أى (وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ) أى مقدمون إليها من أفرطته أى قدمته فى طلب الماء وقيل منسيون* من أفرطت فلانا خلفى إذا خلفته ونسيته وقرىء بالتشديد وفتح الراء من فرطته فى طلب الماء وبكسر الراء المشددة من التفريط فى الطاعات وبكسر المخففة من الإفراط فى المعاصى فلا يكونان حينئذ من أحوالهم الأخروية كما عطف عليه (تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ) تسلية لرسول الله صلىاللهعليهوسلم عما يناله من جهالات الكفرة ووعيد لهم على ذلك أى أرسلنا إليهم رسلا فدعوهم إلى الحق فلم يجيبوا إلى ذلك (فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) القبيحة فعكفوا عليها مصرين (فَهُوَ وَلِيُّهُمُ) أى قرينهم وبئس القرين (الْيَوْمَ) أى يوم زين* لهم الشيطان أعمالهم فيه على طريق حكاية الحال الماضية أو فى الدنيا أو يوم القيامة على طريق حكاية الحال الآتية وهى حال كونهم معذبين فى النار والولى بمعنى الناصر أى فهو ناصرهم اليوم لا ناصر لهم غيره مبالغة فى نفى الناصر عنهم ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى مشركى قريش والمعنى زين للأمم السالفة أعمالهم فهو ولى هؤلاء لأنهم منهم وأن يكون على حذف المضاف أى ولى أمثالهم (وَلَهُمْ) فى الآخرة (عَذابٌ أَلِيمٌ) * هو عذاب النار (وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ) أى القرآن (إِلَّا لِتُبَيِّنَ) استثناء مفرغ من أعم العلل أى ما أنزلنا ٦٤ عليك لعلة من العلل الالتبين (لَهُمُ) أى للناس (الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ) من التوحيد والقدر وأحكام الأفعال* وأحوال المعاد (وَهُدىً وَرَحْمَةً) معطوفان على محل لتبين أى وللهداية والرحمة (لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وإنما* انتصبا لكونهما أثرى فاعل الفعل المعلل بخلاف التبيين حيث لم ينتصب لفقدان شرطه ولعل تقديمه عليهما لتقدمه فى الوجود وتخصيص كونهما هدى ورحمة بالمؤمنين لأنهم المغتنمون آثاره (وَاللهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ) من السحاب أو من جانب السماء حسبما مر وهذا تكرير لما سبق تأكيدا لمضمونه وتوطئة لما يعقبه من أدلة التوحيد (السَّماءِ) نوعا خاصا من الماء هو المطر وتقديم المجرور على المنصوب لما مر مرارا*
![تفسير أبي السّعود [ ج ٥ ] تفسير أبي السّعود](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3239_tafseer-abi-alsaud-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
