فإذا كان الأمر كذلك وكان محمد رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ومع ذلك فقد أمر أن يعلن أنه لا يعرف موعد قيام الساعة ، فلم يبق أحد في الخلق يعرفها ، ثم بين ما يحيط به الرسول من رعاية خاصة يعصمه بها من كل تلبيس أو تخليط في أمر الغيب وغيره ، فقال : (فَإِنَّهُ) أي : فإن الله (يَسْئَلُكَ) أي : يدخل أو يجعل (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ) أي : من أمام الرسول (وَمِنْ خَلْفِهِ) أي : من خلف الرسول (رَصَداً) قال النسفي : أي : حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين ، ويعصمونه من وساوسهم وتخاليطهم حتى يبلغ الوحي ، وقال ابن كثير : (أي : يخصه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله). أقول : وفي هذا دليل على أن قلب الرسول وحده هو المعصوم ، وقلب غيره ليس معصوما ، والعجيب العجيب أن كثيرا من طبقات هذه الأمة تعامل كثيرا من أفرادها وكأنهم معصومو القلوب ، حتى إنهم ليتركون حكم الشرع العظيم بسبب ذلك ، ويؤولون الكتاب والسنة بسبب ذلك ، بل يتركون الكتاب والسنة بسبب ذلك ، ثم قال تعالى مبينا الحكمة في سلكه الرصد من بين يدي الرسول ومن خلفه فقال : (لِيَعْلَمَ) على ماذا يعود الضمير هنا؟ قال بعضهم : على الله ، وقال بعضهم : على الرسول ، وقال بعضهم : على المكلف ، ويؤيد القول الأخير قراءة يعقوب بضم الياء في (ليعلم) فيكون المعنى : ليعلم الناس (أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ) أي : ليعلم المكلفون من خلال رؤيتهم عصمة الوحي عندما يرون صدق إخبارات الرسل في أمر الغيب أن الرسل قد بلغوا رسالات الله ليس إلا (وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ) أي : وأحاط الله بما لدى الخلق ، أي : وليعلم المكلفون من خلال مشاهدة عصمة الوحي إحاطة علم الله بما عندهم (وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) أي : معدودا محصورا أو إحصاء ، أي : وليعلم المكلفون من خلال صدق إخبارات الرسل أن الله أحصى كل شىء عددا ، فينعكس هذا إيمانا في قلوبهم ، أن الله محيط علمه بأفعالهم ، ومحص كل شىء ، فيؤمنون بالله وصفاته وأسمائه وكمالاته ، ويؤمنون باليوم الآخر والحساب فهذه حكمة إطلاع الله رسله على بعض الغيب ، وحكمة جعله الرصد بين أيديهم ومن خلفهم ، فإذا كان هذا هو الشأن ، ومع ذلك إنه لم يطلع رسوله محمدا صلىاللهعليهوسلم على أمر الساعة ، فلا يطمعن أحد أن يعرفها ، وبالتالي فالسؤال عنها ليس في محله ، هذا ما أتجه إليه في فهم هذه الآيات ، وهو اتجاه قريب لاتجاه مجاهد رحمهالله ، وابن كثير يضعف هذا الاتجاه ، وقد اتجه النسفي اتجاها آخر ؛ فأعاد النسفي الضمير في قوله تعالى : (لِيَعْلَمَ) على الله عزوجل قال (أي : ليعلم الله ذلك موجودا حال
![الأساس في التفسير [ ج ١١ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3161_alasas-fi-altafsir-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
