حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل ، والخير أضافوه إلى الله عزوجل ، وقد ورد في الصحيح : «والشر ليس إليك») ، أقول : عرفوا ما يترتب على إرسال الرسول من سعادة لمن اتبعه ، وعذاب لمن خالفه ، ولم يعرفوا كيف يكون موقف البشرية من الرسالة الجديدة فقالوا ما قالوه ، مراعين كمال الأدب ، والعجيب أنهم أدركوا ببداهة الفطرة ما لا يدركه الآن كثيرون ممن يعيشون في أرض الإسلام.
٨ ـ (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ) أي : الأبرار المتقون (وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ) أي : وهم المقتصدون في الصلاح غير الكاملين فيه ، أو أرادوا غير الصالحين (كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) أي : كنا ذوي مذاهب متفرقة ، أو أديان مختلفة ، أقول : هذا يشير إلى أن من الجن من أدركهم عصر النبوة وهم على الدين الصحيح دين عيسى عليهالسلام ، وأن منهم منحرفين مرتدين ، وقد أدركوا هذه الحقيقة من سماعهم للقرآن فعرفوا بميزان القرآن من هم الصالحون ومن ليسوا كذلك ، والعجيب أنهم عرفوا خلال فترة وجيزة ميزان الصلاح وغيره ، وكثير من المسلمين الآن يلتبس عليهم الأمر فيعطون لقب الصلاح لمن ليس صالحا أو العكس.
٩ ـ (وَأَنَّا ظَنَنَّا) أي : أيقنا (أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ) أي : لن نفوته كائنين في الأرض ، أينما كنا فيها (وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً) قال النسفي : أي : ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء ، قال ابن كثير : أي : نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا ، وأنا لا نعجزه في الأرض ، ولو أمعنا في الهرب ، فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا. أقول : لقد عرفوا الله عزوجل حق المعرفة ، وعرفوا أنه لا ملجأ من الله إلا إليه.
١٠ ـ (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى) أي : القرآن (آمَنَّا بِهِ) أي : بالقرآن ، قال ابن كثير : يفتخرون بذلك وهو مفخر لهم وشرف رفيع وصفة حسنة ، أقول : في قولهم هذا إعلام لقومهم بوصفهم الجديد ، وتشجيع لقومهم في الدخول فيما دخلوا به ، بدليل ما بعده (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً) أي : نقصا من ثوابه (وَلا رَهَقاً) أي : ولا ترهقه ذلة فهو لا يخاف أن ينقص من حسناته ، أو يحمل عليه غير سيئاته ، فالرهق هنا الحمل.
١١ ـ (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ) أي : المؤمنون المستسلمون لله ورسوله ، الداخلون في دين الإسلام ، (وَمِنَّا الْقاسِطُونَ) وهم الجائرون عن الحق الناكبون عنه بخلاف المقسطين ، فإنهم العادلون ، قال النسفي : (قسط : جار ، وأقسط :
![الأساس في التفسير [ ج ١١ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3161_alasas-fi-altafsir-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
