كثير : أي هو رب البيت ، وهو الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ، أي تفضل عليهم بالأمن والرخص فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا ، فمن استجاب لهذا الأمر جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة ، ومن عصاه سلبهما منه.
كلمة في السياق :
هناك ثلاث اتجاهات في تعليق قوله تعالى (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ) فمنهم من علقها بما قبلها أي بسورة الفيل ، ومنهم من علقها بفعل محذوف تقديره أعجبوا ، ومنهم من علقها بما بعدها في قوله تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ) قال ابن كثير في عرض الاتجاه الأول : (هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام ، كتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم. وإن كانت متعلقة بما قبلها كما صرح بذلك محمد بن إسحق ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم لأن المعنى عندهما : حبسنا عن مكة الفيل ، وأهلكنا أهله لإيلاف قريش. وعرض النسفي هذا القول بقوله : (يعني أن ذلك الإتلاف المذكور في سورة الفيل لهذا الإيلاف) وقال النسفي عارضا القول الثاني : (أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين) أي إن نعم الله عليهم لا تحصى ، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة. وقال ابن جرير عارضا القول الثالث : (الصواب أن اللام لام التعجب كأنه يقول : أعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك). وقال : لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان.
أقول : وعلى ضوء هذه الأقوال الثلاثة فلنر محل السورة في السياق القرآني العام.
قلنا إن محور سورة الهمزة هو قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ). ورأينا أن سورة الهمزة فصلت في أخلاق الكافرين ، وفي العذاب العظيم ، وتأتي سورتا الفيل وقريش لتدللا على قدرة الله عزوجل على التعذيب بما حدث لأصحاب الفيل ، وما رتب عليها من آثار لصالح قريش ، وهذه تقتضي شكرا منهم لا كفرا ، وتقتضي منهم أن يكونوا متقين لا كافرين ، هذا على المعنى الأول الذي يقول إن السورتين متصلتان معنى.
![الأساس في التفسير [ ج ١١ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3161_alasas-fi-altafsir-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
