يفلت منهم إلا دوس ذو ثعلبان ، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام وكان نصرانيا ، فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة لكونه أقرب إليهم ، فبعث معه أميرين أرياط وأبرهة ابن الصباح أبا يكسوم في جيش كثيف ، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار ، واستلبوا الملك من حمير ، وهلك ذو نواس غريقا في البحر ، واستقل الحبشة بملك اليمن ، وعليهم هذان الأميران أرياط وأبرهة ، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا فقال أحدهما للآخر : إنه لا حاجة بنا إلى اصطلام الجيشين بيننا ، ولكن أبرز إلي وأبرز إليك ، فأينا قتل الآخر استقل بعده بالملك ، فأجابه إلى ذلك ، فتبارزا وخلف كل واحد منهما قناة فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف فشرم أنفه وفمه وشق وجهه ، وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله ورجع أبرهة جريحا فداوى جرحه فبرأ ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن ، فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه ويتوعده ، ويحلف ليطأن بلاده ويحزن ناصيته ، فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه ، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف ، وبجراب فيه من تراب اليمن ، وجز ناصيته ، فأرسلها معه ويقول في كتابه : ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه ، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك ، فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه ورضي عنه وأقره على عمله ، وأرسل أبرهة يقول للنجاشي : إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن قبلها مثلها ، فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء رفيعة البناء ، عالية الفناء ، مزخرفة الأرجاء ، سمتها العرب القليس لارتفاعها ، لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها ، وعزم أبرهة الأشرم على أن يصرف حج العرب إليها كما يحج إلى الكعبة بمكة ونادى بذلك في مملكته ، فكرهت العرب ـ العدنانية والقحطانية ـ ذلك ، وغضبت قريش لذلك غضبا شديدا حتى قصدها بعضهم ، وتوصل إلى أن دخلها ليلا وأحدث فيها وكر راجعا ، فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمره إلى ملكهم أبرهة وقالوا له : إنما صنع هذا بعض قريش غضبا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به ، فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة وليخربنه حجرا حجرا. وذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارا ، وكان يوما فيه هواء شديد فاحترقت وسقطت إلى الأرض ، فتأهب أبرهة لذلك ، وصار في جيش كثيف عرمرم لئلا يصده أحد عنه ، واستصحب معه فيلا عظيما كبير الجثة لم ير مثله ، يقال له محمود ، وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك ، ويقال كان معه أيضا ثمانية أفيال ، وقيل اثنا عشر فيلا غيره ، فالله أعلم ، يعني ليهدم به الكعبة بأن يجعل السلاسل في الأركان وتوضع في عنق الفيل ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة ، فلما سمعت
![الأساس في التفسير [ ج ١١ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3161_alasas-fi-altafsir-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
