فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩))
قدم ابن كثير لتفسير هذه السورة بقوله : (روى الحافظ أبو بكر البزار عن جابر قال : اجتمعت قريش في دار الندوة ، فقالوا : سموا هذا الرجل اسما يصدر الناس عنه ، فقالوا : كاهن ، قالوا : ليس بكاهن ، فقالوا : مجنون ، قالوا : ليس بمجنون ، قالوا : ساحر ، قالوا : ليس بساحر ، فتفرق المشركون على ذلك ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فتزمل في ثيابه وتدثر فيهما فنزل جبريل عليهالسلام فقال : (يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) قال البزار : معلى بن عبد الرحمن ـ وهو من رجال سند الحديث ـ قد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه لكن تفرد بأحاديث لا يتابع عليها). أقول : من هذه الرواية يفهم أن التآمر العنيف على رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، والذي أهمه هما أقعده جاءت سورتا المزمل والمدثر لتعالجاه ، وهذا معنى مهم ينبغي أن يفطن له ، فإذا تذكرنا قوله تعالى في سورة الجن : (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) ندرك صلة سورتي المزمل والمدثر بما قبلهما من سور مجموعتهما ، ومن ثم فإن ما ورد في هاتين السورتين ينبغي أن يعطيه كل من يشتغل بالدعوة إلى الله عزوجل مداه التطبيقي.
وقد نقل صاحب الظلال الرواية التي ذكرها ابن كثير ، ثم ذكر الرواية الأخرى التي تذكر كسبب نزول ، وعلق عليها وهذا كلامه : (وتروى رواية أخرى تتكرر بالنسبة لسورة المدثر كذلك ـ كما سيجىء في عرض سورة المدثر إن شاء الله.
وخلاصتها أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يتحنث في غار حراء ـ قبل البعثة بثلاث سنوات ـ أي : يتطهر ويتعبد ـ وكان تحنثه ـ عليه الصلاة والسلام ـ شهرا من كل سنة ـ وهو شهر رمضان ـ يذهب فيه إلى غار حراء على مبعدة نحو ميلين من مكة ، ومعه أهله قريبا منه. فيقيم فيه هذا الشهر ، يطعم من جاءه من المساكين ، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون ، وفيما وراءها من قدرة مبدعة ... وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة ، وتصوراتها الواهية ، ولكن ليس بين يديه طريق واضح ، ولا منهج محدد ، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه.
وكان اختياره صلىاللهعليهوسلم لهذه العزلة طرفا من تدبير الله له ليعده لما ينتظره من الأمر
![الأساس في التفسير [ ج ١١ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3161_alasas-fi-altafsir-11%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
