٧ ـ (وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ ...) أي اذكر يا محمد حين أخذنا من الأنبياء والرّسل (مِيثاقَهُمْ) وعهدهم بتبليغ الرسالة وإضافة الميثاق إلى ضمير النبيين دليل على أن المراد بالميثاق ميثاق خاص بهم وهو غير الميثاق المأخوذ من عامة البشر الذي يشير إليه في قوله سبحانه في سورة الأعراف / ١٧٢ : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ ...) إلخ. وقد ذكر النبيين بلفظ عام يشمل الجميع ثم سمّى خمسة منهم بأسمائهم بالعطف عليهم فقال : (وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) إنّما قدّم نبيّنا لفضله وشرفه ، وإنما خصّوا بالذّكر بعد التعميم لأنّهم أولو العزم من الرّسل (وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) أي عهدا شديدا بالوفاء بما حملوا من اعباء الرسالة.
٨ ـ (لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ...) إلخ أي لأنه تعالى يسأل الصّادقين عن صدقهم في تبليغ الرسالة وقيل : ليسأل الصادقين في أقوالهم عن مدي صدقهم في أفعالهم. وقيل غير ذلك.
٩ ـ (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ...) أي الأحزاب وكانوا جميعا عشرة آلاف نفر وذلك في غزوة الخندق (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً) أي الدّبور ويظن أنها ريح العذاب. (وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها) أي الملائكة ، (وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً) من حفر الخندق وغيره من الاستعداد لهم.
١٠ ـ (إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ ...) أي من أعلى الوادي (وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) من أسفلها (وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ) مالت عن مقرّها خوفا ودهشا (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ) فزعا إذ عند الشّدّة تنتفخ الرّئة فترتفع عن مقرّها الطّبيعي إلى الحنجرة وهي منتهى الحلقوم فلو لا أن ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت. (وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا) يعني أيّها المسلمون ظننتم بربّكم ظنونا مختلفة ، فالثابتون على الإيمان كانت عقيدتهم النّصر وإنجاز الوعد بالغلبة ، والمنافقون ظنّوا باستئصالهم وغلبة الكفّار.
١١ ـ (هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ ...) أي اختبروا أو امتحنوا ليميز الله المؤمن من المنافق (وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً) تزعزعوا من شدّة الدهشة والاضطراب.
١٢ ـ (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ...) أي ضعف إيمان وشك (ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ) من الظفر وإعلاء الدّين (إِلَّا غُرُوراً) وعدا باطلا.
١٣ ـ (وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ ...) أي يا أهل المدينة ليس هنا موضع قيامكم (فَارْجِعُوا) إلى مدينتكم ومنازلكم ، (وَ) صاروا (يَقُولُونَ : إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ) أي غير حصينة (وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ) بل هي حصينة وليست مكشوفة لأحد (إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً) أي لا يريدون إلا هربا من القتال من شدة خوفهم.
١٤ ـ (وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ...) أي لو دخل هؤلاء الذين يريدون القتال وهم الأحزاب على الذين يقولون إن بيوتنا عورة وهم المنافقون (مِنْ أَقْطارِها) أي من جميع نواحي المدينة أو البيوت (ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ) بعد الدخول ودعوا من الأحزاب والمنافقين إلى الشّرك ، (لَآتَوْها) لأجابوهم (وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً) وما احتبسوا ولا تعلّلوا عن إجابة الأحزاب إلى الشرك إلا قليلا.
١٥ ـ (وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ ...) إلخ أي بنو حارثة ومن معهم لمّا قصدوا الفرار يوم أحد قبل معركة الخندق هذه فندموا على فعلهم وعاهدوا الله أن لا يفرّوا بعد ذلك أبدا (وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً) عن الوفاء به.
