١٢ ـ (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) القمّي قال : من مسيرة سنة (سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً) أي غليانا منها ، ومن أهلها والغيظ ـ كما في المفردات ـ أشد الغضب ... والتغيّظ : هو إظهار الغيظ ، وقد يكون ذلك مع صوت مسموع كما يدل عليه قوله : سمعوا (وَزَفِيراً) أي صوتا خاصا من جوفهم. لأن الزفير هو تردد النفس حتى تنتفخ الضلوع منه ثم قذفه إلى الخارج. والآية تمثل حال النار بالنسبة إليهم إذا برزوا لها يوم القيامة وأنها تشتد إذا أشرفوا عليها كالأسد يزأر إذا رأى فريسته.
١٣ و ١٤ ـ (وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً ...) أي يرمون بهم في أمكنة ضيّقة منها (مُقَرَّنِينَ) مقيّدين بالأغلال (دَعَوْا هُنالِكَ) في ذلك المكان الضيّق (ثُبُوراً) أي هلاكا (وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً) لأن عذابكم أنواع كثيرة وفي كل نوع تموتون وتهلكون ثم تعودون وتحيون.
١٥ ـ (قُلْ أَذلِكَ ...) أي المذكور من الوعيد (خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) أضيف إليه تنبيها على الخلود فيها للمؤمنين جزاء على إيمانهم. والسؤال سؤال عن أمر بديهي لا يتوقف في جوابه عاقل ، وهو دائر في المناظرة والمخاصمة يردد الخصم بين أمرين أحدهما بديهي الصحة والآخر بديهي البطلان فيكلف أن يختار بين أحدهما فإن اختار الحق فقد اعترف بما كان ينكره وإن اختار الباطل افتضح.
١٦ ـ (لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً) : أي كان ما يشاء المؤمنون موعدا واجبا عليه تعالى إنجازه بحيث لهم حق المطالبة بذلك.
١٧ ـ (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ ...) إلخ. أي يوم القيامة نجمعهم مع معبوداتهم (فيقول) ـ أي يسأل الله ـ المعبودين (أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) أي سبيل الهدى والجنة.
١٨ ـ (قالُوا سُبْحانَكَ ...) أي قال المعبودون : تقدست وتنزّهت عن الشريك وقد بدأوا بالتسبيح على ما هو الجاري من أدب العبودية في موارد يذكر فيها شرك أهل الشرك أو ما يوهم ذلك بوجه من الوجوه. (ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ) أي ليس لنا أن نوالي أعداءك فنحن نقر بك واتّخذناك وليّا ومعبودا لأنفسنا. (وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ) أي لما أنعمت عليهم بأنواع النعم تركوا ذكرك أو كتابك والتدبّر فيه وبالنتيجة (وَكانُوا قَوْماً بُوراً) أي هالكين.
١٩ ـ (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ...) أي : فقد كذبكم المعبودون (بِما تَقُولُونَ) من قولكم إنهم آلهة وهؤلاء أضلّونا (فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً) أي لا يقدر المعبودون على صرف العذاب عنكم (وَلا نَصْراً) لكم بدفع العذاب والترديد بين الصرف والنصر باعتبار استقلال المعبودين في دفع العذاب عنهم وهو الصرف ، وعدم استقلالهم بأن يكونوا جزء السبب وهو النصر. (وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ) نفسه بالشرك والمعاصي (نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً) وهو النّار.
٢٠ ـ (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ...) إلخ. هذه الشريفة جواب وردّ لقولهم : ما لهذا الرّسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ (وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ) أيّها الناس (لِبَعْضٍ فِتْنَةً) أي ابتلاء (أَتَصْبِرُونَ) أي ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أو لا ، (وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً) بمن يصبر وبغيره.
