٣ ـ (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ...) أي أنه مع قدرته هذه وملكه هذا قد جعل الكافرون لأنفسهم أربابا غيره سبحانه لا تملك شيئا ولا تقدر على شيء ، تلك هي أصنامهم وأوثانهم ، (لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) لأنهم عاجزون عن ذلك ، فالله تعالى وحده هو الخالق البارئ ، وهم أيضا (وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً) فلا يجلبون لها خيرا ولا يدفعون عنها شرّا وبذلك لم يكن لهذه الأصنام التي عبدوها من الألوهية شيء إلا اسم سموها به من غير أن تتحقق من حقيقتها بشيء كما قال تعالى في سورة النجم : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ...)(وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً) فليس بيدهم شيء بل هم راضخون لمشيئة الله سبحانه.
٤ ـ (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ ...) إلخ. أي قالوا : ليس القرآن غير كذب قد ألّفه محمد (وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) من أهل الكتاب مما في كتبهم. (فَقَدْ جاؤُ) أي فعلوا (ظُلْماً) تجاوزا عن حدود الشرع (وَزُوراً) بهتانا.
٥ ـ (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ...) أي ما سطره المتقدّمون (اكْتَتَبَها) كتبها بنفسه أو بواسطة غيره (فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ) تقرأ عليه فالإملاء : إلقاء الكلام إلى المخاطب بلفظه ليحفظه ويعيه ، أو إلى الكاتب ليكتبه ، والمراد به في الآية المعنى الأول على ما يعطيه سياق الكلام ، إذ ظاهره تحقق الاكتتاب دفعة والاملاء تدريجا على نحو الاستمرار. (بُكْرَةً وَأَصِيلاً) أي طرفي النّهار ليحفظها. وقيل : هو كناية عن الوقت بعد الوقت.
٦ ـ (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ ...) إلخ. أي يعلم الغيب في السموات والأرض (إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) ولذا لا يعاجلكم بالعقوبة.
٧ ـ (وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ ...) أي الزاعم أنه رسول ، على نحو التهكم والاستهزاء منهم بدعواه. (يَأْكُلُ الطَّعامَ) كما نأكل (وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ) لطلب المعاش كما نمشي له ، والاستفهام للتعجب. وكأنهم كانوا مقتنعين بأن الرسالة لا تجامع أكل الطعام والمشي في الأسواق ، لاكتساب المعاش فإنها اتصال غيبي لا يجامع التعلقات المادية. (لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ) إلخ. يصدقه في دعواه.
٨ ـ (أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ...) أي يقذف إليه من السّماء مال كثير يستغني به عن طلب المعاش. (أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ) أي بستان (يَأْكُلُ مِنْها) من محصولها (وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً) أي ما تتبعون إلّا من سحر فغلب على عقله.
٩ ـ (انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ...) أي انظر يا محمد كيف قالوا فيك الأقوال النادرة وماثلوك بالمسحور ، (فَضَلُّوا) عن الطّرق الموصلة إلى الحق (فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً) إلى القدح في نبوّتك أو إلى الهدى.
١٠ ـ (تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ ...) أي تقدّس الذي إن أراد (جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ) ممّا قالوا فيك (جَنَّاتٍ تَجْرِي) إلخ. الآية بيان لقوله خيرا من ذلك (وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً) مساكن رفيعة ومنازل عالية.
١١ ـ (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ...) أي أنكروا البعث وهذا هو سبب تكذيبهم لك لا ما زعموه من أنك تأكل الطعام وتمشي في الأسواق بل كان هذا منهم كلاما صوريا أرادوا به التغطية على السبب الأصلي لتكذيبهم لك وهو إنكارهم المعاد والبعث. وقد هيّأنا لمن كذّب به (سَعِيراً) نارا شديدة الاستعار.
