(إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي منحرفة عن طريق الحق ، تائهة عن الرّشد.
٣١ ـ (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ...) أي حين نقل لها ما تقوله نساء المدينة عنها وعرفت ما يخفينه من قصد وهو تمكينها لهن من رؤية يوسف لما سمعنه عن حسنه (أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَ) أي دعتهنّ إلى بيتها (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً) أي هيأت لهنّ ما يتّكئن عليه للراحلة التامة (وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً) أي أعطت كل امرأة سكّينا لتقشر الفاكهة التي أعّدتها لهنّ. (وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَ) يعني أمرت يوسف بالظهور أمامهنّ. (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) أي عظّمنه وبهتن من جماله ففقدن الوعي (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ) جرحن أيديهن بدل قطع الفاكهة وهنّ ذاهلات مشدوهات من حسن يوسف (وَقُلْنَ : حاشَ لِلَّهِ) أي حاشاه سبحانه ، يعني أنه تعالى منزّه عن العجز أن يخلق مثل يوسف وعلى هذه الصورة من الحسن والجمال ... (ما هذا بَشَراً) أي ليس يوسف من سنخ النّاس المعروفين في الخلق ولم يعهد في البشر هذا الحسن (إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) أي ملك يزيد على الملائكة بأنه كريم الطبع فكأنهنّ بالغن في وصفه بالحسن كالملك وزدن على ذلك بأنه كريم لأنه لم يلتفت إليهنّ مع أنهنّ كنّ من أجمل نساء عصرهنّ.
٣٢ ـ (قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ...) قالت لهنّ امرأة العزيز : هذا هو الفتى الذي تعذلنني على مراودته عن نفسه والتصدّي له. (وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ) وطلبت منه مجامعتي (فَاسْتَعْصَمَ) أي امتنع وعاذ بالله ليعصمه عن هذه الزلة. (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ) يعمل (ما آمُرُهُ) به من مضاجعتي ، مقسمة (لَيُسْجَنَنَ) أي يحبس مؤكّدا (وَلَيَكُوناً) يعني : ليصيرنّ (مِنَ الصَّاغِرِينَ) الأذلاء.
٣٣ ـ (قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ...) يروى بأن جميع النسوة اللائي دعتهن امرأة العزيز إلى مجلسها وبعد أن دهشن بحسن يوسف وافتتنّ به راودنه عن نفسه كل واحدة على انفراد وبشتى الأساليب والحيل ومع ذلك فإن يوسف (ع) بقي على تمنّعه معها ومعهن واستعصامه بالله منهن ، وتوجه إلى الله بهذا الدعاء : يا رب إن السجن أحبّ إليّ من دعوة هؤلاء النسوة لي إلى الفحشاء ، فأنا أفضّل الحبس على أن أمارس الفجور إذ أخلو وأتفرّغ لعبادتك (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَ) أي : وإن لم تصرف عنّي وتحوّل احتيالهن بلطفك (أَصْبُ إِلَيْهِنَ) أميل إليهن بهواي (وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ) أي غير العارفين بأوامرك ونواهيك أو المستحقين للذم بالجهل.
٣٤ ـ (فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ...) أي أن يوسف (ع) دعا ربّه فاستجاب له دعاءه وحوّل عنه مكرهنّ وحيلهنّ (إِنَّهُ) سبحانه (هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) مر معناه.
٣٥ ـ (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ ...) أي : ظهر لهم ـ أي للنسوة مع زليخا وزوجها وأعوانها بعد الشواهد الدالة على براءته ، وهي الآيات المعجزات التي ظهرت لتبرئته. (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) أي ظهر لهم أنه لا بد من حبسه إلى أمد معدود وظرف مناسب بحيث ينسى حديث المرأة معه وينقطع الخوض فيه والتعليق عليه ، وبحيث يبدو لأعين الناس أنه هو المأخوذ بالذنب ...
٣٦ ـ (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ...) انتقل سبحانه إلى بيان أحوال يوسف في السجن فأخبر بأنه قد سجن مع يوسف (ع) اثنان في ريعان الشباب أحدهما ساقي الملك وثانيهما طبّاخه ، وقد اتّهما أنهما كانا بصدد دسّ السمّ للملك فأمر بحبسهما (قالَ أَحَدُهُما) أي واحد من الفتيين (إِنِّي أَرانِي) أي رأيت نفسي في المنام (أَعْصِرُ خَمْراً) يعني يعصر عنبا وقد سمّاه خمرا بعلاقة الأول (وَقالَ الْآخَرُ) أي الفتى الثاني (إِنِّي أَرانِي) رأيت نفسي في المنام (أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ) يعني كأنّ فوق رأسه طبقا فيه خبز تأكل منه الطيور. ثم قالا له : (نَبِّئْنا) أخبرنا (بِتَأْوِيلِهِ) أي عبّر لنا عما قصصناه عليك وما يؤول إليه أمره. (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي تؤثر الإحسان إلى الناس قالا له ذلك لأنه كان جميل المعاملة مع المساجين حسن المعاشرة لهم.
٣٧ ـ (قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ ...) أي قال لرفيقي السجن : لا يجيئكما طعام يقرّر لكما إلّا أخبرتكما عنه كيفا وكما (قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما) أي قبل رؤيته ووصوله إليكما. وقد أراد بذلك (ع) تهيئة ذهنيهما لتقبّل دعوته لهما إلى الله إذا كانا مشركين. (ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) أي أن هذه الموهبة على الإخبار بالغيب هي من الإلهام والوحي الذي منحني إيّاه خالقي (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا
