يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّـهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠))
تفسير المجموعة الأولى
(حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِ) أي : حم هذا تنزيل الكتاب (مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ) أي : المنيع بسلطانه عن أن يتقوّل عليه متقوّل (الْعَلِيمِ) بمن صدّق وكذّب ، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين (غافِرِ الذَّنْبِ) غافر أي : سائر ذنب المؤمنين (وَقابِلِ التَّوْبِ) أي : وقابل توبة الراجعين. قال ابن كثير : أي : يغفر ما سلف من الذنب ، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه (شَدِيدِ الْعِقابِ) أي : لمن تمرّد وطغى ، وآثر الحياة الدنيا ، وعتا عن أوامر الله وبغى ، والملاحظ أنه كثيرا ما يقرن تعالى بين وصفيه الغفور التوّاب ، وبين شديد العقاب ، ليبقى العبد بين الرجاء والخوف (ذِي الطَّوْلِ) أي : ذي الغنى والفضل ، وذي النعم والفواضل. قال ابن كثير : والمعنى أنه المتفضّل على عباده ، المتطوّل عليهم بما هم فيه من المنن والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) أي : لا نظير له في جميع صفاته ، فلا إله غيره ولا ربّ سواه (إِلَيْهِ الْمَصِيرُ) أي : المرجع والمآب ، فيجازي كل عامل بعمله (ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ) أي : ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان (إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) أي : الجاحدون لآيات الله وبراهينه ، أي : ما يخاصم فيها بالتكذيب بها والإنكار لها إلا الذين كفروا ، قال النسفي : فأما الجدال فيها لإيضاح ملتبسها ، وحل مشكلها ، واستنباط معانيها ، وردّ أهل الزيغ بها ، فأعظم جهاد في سبيل الله (فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ) أي : في أموالها ونعيمها وزهرتها بالتجارات النافعة ، والمكاسب المربحة ، والانتصارات السياسية والعسكرية ، والغلبة للخصوم ، فإن عاقبة أمرهم إلى العذاب في الدنيا والآخرة. ثم بيّن تعالى كيف ذلك فقال : (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي : والأحزاب الذين تحزّبوا على الرسل ، وناصبوهم من كل أمة بعد قوم نوح ، كعاد وثمود وقوم لوط وغيرهم (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ) من هذه الأمم التي هي قوم نوح والأحزاب (بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) أي : ليتمكنوا منه فيقتلوه. قال ابن كثير : أي : حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل
![الأساس في التفسير [ ج ٩ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3156_alasas-fi-altafsir-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
