المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه ، والصورة الواقعية من حوله ؛ لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة. ومن هنا كان هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن. يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه ؛ ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس. والخصومة بين المؤمن وبين الحياة الجاهلية من حوله خصومة ذاتية ناشئة من عدم استطاعته حياة مزدوجة بين تصوره الإيماني ، وواقعه العملي. وعدم استطاعته كذلك التنازل عن تصوره الإيماني الكامل الجميل المستقيم في سبيل واقعه العملي الناقص الشائن المنحرف. فلا بد من حرب بينه وبين الجاهلية من حوله ، حتى تنثني هذه الجاهلية إلى التصور الإيماني والحياة الإيمانية.
(أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ). الصادقون في عقيدتهم. الصادقون حين يقولون : إنهم مؤمنون. فإذا لم تتحقق تلك المشاعر في القلب ، ولم تتحقق آثارها في واقع الحياة ، فالإيمان لا يتحقق. والصدق في العقيدة وفي ادعائها لا يكون). وبتطبيقنا هذا الميزان الذي ورد في الآية على كل من يقول إنه مسلم نجد أن كثيرين ممن يدّعون الإيمان تشبه دعواهم دعوة الأعراب ، ويبدو أن كثيرين من الناس حتى بعد ذكر ميزان الإيمان سيجادلون وسيدّعون ، وسيبررون تركهم للجهاد بالمال والنفس ، مع رغبتهم بالاحتفاظ باسم الصلاح والصدق والإيمان ، ومن ثم جاء بعد ذلك قوله تعالى (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ)» قال النسفي : أي أتخبرونه بتصديق قلوبكم ، وقال ابن كثير : أي أتخبرونه بما في ضمائركم (وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) أي : لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر (وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ومن ذلك علمه بالإيمان والإخلاص وغير ذلك ، ثم بيّن تعالى أن من جملة ما يفعله هؤلاء الذين يدّعون مقاما لم يصلوا إليه أنهم يمنّون على رسول الله صلىاللهعليهوسلم بدخولهم في الإسلام ، مما يشير إلى أنّ المنّ بالدخول في الإسلام يرافق عدم تمكن الإيمان (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ) أي : يمنّ هؤلاء الأعراب عليك (أَنْ أَسْلَمُوا) أي : بأن أسلموا ، أي : بإسلامهم. قال النسفي : والمنّ : ذكر الأيادي تعريضا للشكر ، يقول الله تعالى ردا عليهم (قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ) فإنّ نفع ذلك إنما يعود عليكم ، ولله المنة عليكم فيه (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ) أي : بل لله المنّة عليكم بأن ـ أولأن ـ هداكم للإيمان (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أي في ادّعائكم الإيمان بالله فلله المنة عليكم ، ثم كرر تعالى بهذه المناسبة الإخبار بعلمه بجميع الكائنات وبصره بأعمال المخلوقات ، ومن ذلك صدق الصادقين فقال (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ
![الأساس في التفسير [ ج ٩ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3156_alasas-fi-altafsir-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
