بالمعنى الواعظ مرّة بعد مرّة. مرّة بصيغة التقرير ، ومرّة بصيغة الطلب ، وتذكرهم بالعذاب الدنيوي ، والعذاب الأخروي.
فالسير العام للسورة يفصّل قوله تعالى من سورة البقرة : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ).
والسورة تبين لنا نوعية هؤلاء الكافرين الذين لا ينفعهم الإنذار ، وهم الذين يجادلون في آيات الله ، تكذيبا وعنادا مع وضوحها. ونلاحظ أن السورة مع تبيانها عدام استفادة الكافرين من الإنذار فإن الله عزوجل يأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالإنذار ، لأن الكافرين الذين حكم الله عليهم بالموت على الكفر لا يعلمهم إلا الله ، ومن أعلمه الله بشأنهم ، وإذ كان الأمر غيبا فإن على الرسول الإنذار ، ثم إنه مع كفر الكافرين لا بد من إقامة الحجة عليهم ، هذا مع ملاحظة أن الكافرين الذين ختم الله على قلوبهم هم الذين اجتمعت بهم صفات معينة استكملوا بها صفات لم يعد ينفع معها إنذار. وقد رأينا في سورة الأنبياء هذه الصفات. وسنرى في هذه السورة كذلك هذه الصفات ، ولاحتمال أن هناك كافرا لم يصل إلى هذا الحد فإن على الرسول صلىاللهعليهوسلم الإنذار لعلّ أحدا يهتدي.
ونلاحظ أنه بعد ما قال الله عزوجل (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ) يقصّ علينا الله عزوجل قصة من قصص السابقين كيف كانوا أشدّ قوة وآثارا ، وكيف كذّبوا رسل الله ، وكيف كانت عاقبتهم ، وكيف كان عقابهم شديدا ، هذه القصة هي قصة فرعون ، وذكر قصة فرعون في هذا السياق له دلالته ، إذ الفراعنة كانوا أشدّ قوة وآثارا في الأرض ، كما هو مشهور. وسنرى أنّ القصة تخدم سياق السورة بأكثر من وجه.
![الأساس في التفسير [ ج ٩ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3156_alasas-fi-altafsir-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
