تفسير المجموعتين الثانية والثالثة
(وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً) قال النسفي : إنما قيل (فتثير) لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب ، وتستحضر تلك الصورة الدالّة على القدرة الربانية (فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ) أي بالمطر (الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) أي بعد يبسها. قال النسفي : (ولما كان سوق السحاب إلى البلد الميت ، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها من الدلائل على القدرة الباهرة قيل : فسقناه وأحييناه ، معدولا بهما عن لفظ الغيبة ، إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدلّه عليه) (كَذلِكَ النُّشُورُ) أي مثل إحياء الموات نشور الأموات. قال ابن كثير : (كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها ، أنزل من تحت العرش مطرا يعمّ الأرض جميعا ، وتنبت الأجساد في قبورها ، كما تنبت الحبة في الأرض ، ولهذا جاء في الصحيح «كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب ، منه خلق ، ومنه يركب».
كلمة في السياق :
هذه الآية جسر بين ما قبلها وما بعدها ، فهي تدلل على اليوم الآخر الذي قال الله عزوجل عنه (إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌ) بين يدي الكلام عن إرادة العزة التي هي إحدى مزالق الشيطان وإحدى مظاهر الدنيا ، ومن ثمّ اقتضى ذلك أن يسبقها الكلام عن حتمية مجىء اليوم الآخر ، لأنّه وحده العلاج من أن تقع النفس فريسة غرر الدنيا ، والشيطان ، بسبب طلبها العزة. فالكلام عن العزة في هذا السياق كلام عن واحد مما يغري به الشيطان الإنسان ، وعن مظهر من مظاهر الدنيا التي تصرف عن الآخرة.
(مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) أي العزة كلها مختصة بالله ، عزة الدنيا ، وعزة الآخرة. قال ابن كثير : (أي من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى ، فإنه يحصل له مقصوده ؛ لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة ، وله العزة جميعا). ثمّ عرّف تعالى أن ما يطلب به العزة هو الإيمان والعمل الصالح فقال : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) أي كلمات التوحيد ، أي لا إله إلا الله. قال ابن كثير : يعني الذكر والدعاء (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ) أي العبادة الخالصة ، أي أداء الفرائض والنوافل (يَرْفَعُهُ) أي يرفعه الله ، وفي ضمائر (يرفعه) اختلاف
![الأساس في التفسير [ ج ٨ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3154_alasas-fi-altafsir-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
