واختلّت في نفسه القيم ، واهتزت في ضميره العقيدة ؛ وتصوّر أن لا عذاب بعد هذا الأذى الذي يلقاه ، حتى عذاب الله ؛ وقال في نفسه : ها هو ذا عذاب شديد أليم ليس وراءه شىء ، فعلام أصبر على الإيمان ، وعذاب الله لا يزيد على ما أنا فيه من عذاب؟ وإن هو إلا الخلط بين أذى يقدر على مثله البشر ، وعذاب الله الذي لا يعرف أحد مداه.
هذا موقف ذلك النموذج من الناس في استقبال الفتنة في ساعة الشدة.
(وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ : إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ!)
إنا كنا معكم ... وذلك كان موقفهم في ساعة العسرة من التخاذل والتهافت والتهاوي ، وسوء التصوير وخطأ التقدير. ولكن حين يجىء الرخاء تنبعث الدعوى العريضة. وينتفش المنزوون المتخاذلون ، ويستأسد الضعفاء المهزومون ، فيقولون : (إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ! أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ.)
أو ليس يعلم ما تنطوي عليه تلك الصدور من صبر أو جزع ، ومن إيمان أو نفاق؟ فمن الذي يخدعه هؤلاء وعلى من يموّهون؟
(وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ.)
وليكشفنهم فيعرفون ؛ فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون.
ونقف لحظة أمام التعبير القرآني الدقيق وهو يكشف عن موضع الخطأ في هذا النموذج من الناس حين يقول : (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللهِ.)
فليست الغلطة أن صبرهم قد ضعف عن احتمال العذاب ، فمثل هذا يقع للمؤمنين الصادقين في بعض اللحظات ـ وللطاقة البشرية حدود ـ ولكنهم يظلون يفرقون تفرقة واضحة في تصورهم وشعورهم بين كل ما يملكه البشر لهم من أذى وتنكيل ، وبين عذاب الله العظيم ؛ فلا يختلط في حسّهم أبدا عالم الفناء الصغير ، وعالم الخلود الكبير ، حتى في اللحظة التي يتجاوز عذاب الناس لهم مدى الطاقة ، وجهد الاحتمال ... إن الله في حسّ المؤمن لا يقوم له شىء ، مهما تجاوز الأذى طاقته واحتماله ... وهذا هو مفرق الطريق بين الإيمان في القلوب والنفاق).
![الأساس في التفسير [ ج ٨ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3154_alasas-fi-altafsir-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
