لِنَفْسِهِ) على أنّ الإيمان لا بدّ أن يرافقه جهاد ، وأن مصلحة الجهاد لا تعود إلا على صاحبها. أما الله عزوجل فغني عن العالمين. وبهذا قررت السورة أن الإيمان يلازمه الصبر على الامتحان ، ويلازمه رجاء الله واليوم الآخر ، ويلازمه الجهاد. فمن فاته الصبر ، أو رجاء الله واليوم الآخر ، أو الجهاد بمعناه الواسع العريض ، فإنه ليس من أهل الصدق في الإيمان. وبعد إذ تقرر هذا كله ، أعلمنا الله ما أعده لمن اجتمع له الإيمان والعمل الصالح. وصلة هذه المعاني بمقدمة سورة البقرة واضحة ، وخاصة بقوله تعالى : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) فعلامة الصدق بالإيمان بالغيب النجاح في الامتحان ، وأن لا يريد الإنسان بعمله إلا وجه الله ، وأن يجاهد نفسه وشيطانه وأعداء الله عزوجل ، فالإيمان بالغيب لا بد أن يأخذ مداه العملي في مثل هذا ، ثم الإيمان بالغيب لا بد أن يرافقه عمل صالح فذلك علامة على استقراره في القلب ، وبتقرير ما أعد الله لمن آمن وعمل صالحا ، جاء أوان أن يعرض الله عزوجل علينا أمره في شأن الوالدين ، فمن أعظم أبواب الامتحان الوالدان ، ومن أعظم الأعمال الصالحة برهما.
(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً) لأنهما سبب وجود الإنسان ، ولهما عليه غاية الإحسان. فالوالد بالإنفاق ، والوالدة بالإشفاق ، والوصية في الآية تفيد الأمر ، أي وأمرنا الإنسان. وقوله (حُسْناً) أي فعلا ذا حسن ، أو فعلا هو الحسن بعينه ؛ لفرط جماله وكماله (وَإِنْ جاهَداكَ) أيها الإنسان (لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي لا علم لك بإلهيته ، أي وإن جاهداك لتشرك بالله شيئا لا يصح أن يكون إلها وكل ما سوى الله كذلك (فَلا تُطِعْهُما) أي في ذلك ؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) أي مرجع من آمن ومن أشرك ، فأجازيكم حق جزائكم (فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) قال النسفي : (وفي ذكر المرجع وعيد وتحذير من متابعتهما على الشرك ، وحث على الثبات والاستقامة في الدين) وإذن فمع الوصية بالرأفة والرحمة ، والإحسان إلى الوالدين ، في مقابلة إحسانهما المتقدم بيّن الله عزوجل أنّه إن حرصا على أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين فإياك وإياهما ، فلا تطعهما في ذلك ؛ فإنّ مرجعكم أيها الناس إليّ يوم القيامة ، فيجزيك الله أيها المؤمن بإحسانك إليهما ، وصبرك على دينك ، ويحشرك مع الصالحين ، لا في زمرة والديك ، وإن كنت
![الأساس في التفسير [ ج ٨ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3154_alasas-fi-altafsir-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
