وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) إلى قوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.)
وقد علّق النسفي على مقدمة سورة الروم وموضوع رهان أبي بكر بقوله :
(وهذه آية بينة على صحة نبوّته صلىاللهعليهوسلم وأنّ القرآن من عند الله ، لأنّها إنباء عن علم الغيب ، وكان ذلك قبل تحريم القمار ، هذا عن قتادة. ومن مذهب أبي حنيفة ومحمّد : أنّ العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار ، وقد احتجّا على صحة ذلك بهذه القصة).
٢ ـ قال ابن كثير : (وكانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كثيرة من العلماء كابن عباس والثوري والسدي وغيرهم ، وقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار من حديث الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال : لما كان يوم بدر ظهرت الروم على فارس ، فأعجب ذلك المؤمنين ، ففرحوا به ، وأنزل الله : (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.) وقال الآخرون : بل كان نصر الروم على فارس عام الحديبية).
أقول : وعلى القول بأن انتصار الروم على فارس كان سنة بدر ففي الآيات ثلاثة إنباءات عن الغيب : أن الروم سيغلبون ، وأن ذلك كائن خلال بضع سنين ، وأنّ عام نصرهم سيكون نصرا للمسلمين أيضا. وكل ذلك على خلاف ما يتوقعه المتوقعون ساعة نزول النّص ، فهذه من أعظم معجزات القرآن التي تدل على أنه من عند الله.
٣ ـ في قوله تعالى عن الكافرين : (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) نوع من الإخبار عن الواقع الذي يزداد وضوحه على مدى المستقبل ، فهو نوع من الإخبار بالغيب. وها أنت ترى في عصرنا كيف أن الكافرين عرفوا من ظواهر الحياة الدنيا ومظاهرها الكثير ، ولكنهم في أمور الغيب والآخرة ، والدين والسلوك متناقضون جاهلون جاهليون.
وبمناسبة هذه الآية قال ابن كثير : (قال الحسن البصري : والله ليبلغ من أحدهم بدنياه أنّه يقلّب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي. وقال ابن عباس في قوله تعالى : (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ) يعني الكفار يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهّال).
![الأساس في التفسير [ ج ٨ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3154_alasas-fi-altafsir-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
