الترتيب : فقال : (وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ* إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) قال ابن كثير : (ذكر أنه يمتنع عليهم ذلك من ثلاثة أوجه : أحدها أنه ما ينبغي لهم ، أي ليس هو من بغيتهم ، ولا من طلبتهم ، لأن من سجاياهم الفساد ، وإضلال العباد ، وهذا فيه الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ونور وهدى وبرهان عظيم ، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة ، ولهذا قال تعالى (وَما يَنْبَغِي لَهُمْ) وقوله تعالى : (وَما يَسْتَطِيعُونَ) أي ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك ، قال الله تعالى : (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته لما وصلوا إلى ذلك ، لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله ، لأن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا في مدة إنزال القرآن على رسول الله صلىاللهعليهوسلم فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه ، لئلا يشتبه الأمر ، وهذا من رحمة الله بعباده ، وحفظه لشرعه ، وتأييده لكتابه ولرسوله ولهذا قال تعالى : (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) كما قال تعالى مخبرا عن الجن (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً* وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً) إلى قومه (أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً.) (الجن : ٨ ـ ١٠)
وإذ قامت الحجة الكاملة على أن هذا القرآن من عند الله ، وأن الله أنزله على قلب محمد صلىاللهعليهوسلم ليكون من المنذرين. فإن السياق الآن يتجه إلى النذير ، آمرا ناهيا ، موجها مؤدبا معلما ، وفي ذلك وحده آية على أن هذا القرآن من عند الله ؛ إذ تجد فيه آمرا أعلى لا تجد في أوامره أثرا للضعف البشري كما تجد أن محمدا مأمور ، مقامه العبودية (فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ) وما كان محمد صلىاللهعليهوسلم ليفعل ، ولكنه التحريك له على زيادة الإخلاص ، والتربية لغيره ، ثم لبيان أن منزل هذا القرآن رب العالمين وأن مقام محمد صلىاللهعليهوسلم العبودية ، وأنه إذا أخل بمقام العبودية فشأنه أن يعذب : (فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) فما أجهل الناس بالله. ثم قال تعالى آمرا رسوله صلىاللهعليهوسلم أن يخص عشيرته الأقربين بالدعوة ، وفي ذلك كذلك دليل على أن هذا القرآن من عند الله ، وعلى أن محمدا رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فتخصيص الأقربين بالدعوة دليل على أن الأمر جد وحق (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ثم يصدر له الأمر بخفض الجناح للمؤمنين ، وفي ذلك دليل آخر على أن القرآن من عند الله ، فليست المسألة هنا مسألة زعامة ، ولا جاه ، ولا طلب كبرياء ، فلو كان القرآن أثرا عن كبرياء بشر ما كان فيه مثل هذا الأمر
![الأساس في التفسير [ ج ٧ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3153_alasas-fi-altafsir-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
