ويسبح كل شىء في الفيض الغامر ، ويتطهر كل شىء في بحر النور ، ويتجرد كل شىء من كثافته وثقله ، فإذا هو انطلاق ورفرفة ، ولقاء ومعرفة ، وامتزاج وألفة ، وفرح وحبور. وإذا الكون كله بما فيه ومن فيه نور طليق من القيود والحدود ، تتصل فيه السماوات بالأرض ، والأحياء بالجماد ، والبعيد بالقريب ؛ وتلتقي فيه الشعاب والدروب ، والطوايا والظواهر ، والحواس والقلوب ..
(اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ..) النور الذي منه قوامها ومنه نظامها .. فهو الذى يهبها جوهر وجودها ، ويودعها ناموسها .. ولقد استطاع البشر أخيرا أن يدركوا بعلمهم طرفا من هذه الحقيقة الكبرى ، عند ما استحال في أيديهم ما كان يسمى بالمادة ـ بعد تحطيم الذرة ـ إلى إشعاعات منطلقة لا قوام لها إلا النور! ولا «مادة» لها إلا النور! فذرة المادة مؤلفة من كهارب وإليكترونات ، تنطلق ـ عند تحطيمها ـ في هيئة إشعاع قوامه هو النور! فأما القلب البشري فكان يدرك الحقيقة الكبرى قبل العلم بقرون وقرون. كان يدركها كلما شف ورف ، وانطلق إلى آفاق النور. ولقد أدركها كاملة شاملة قلب محمد رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ففاض بها وهو عائد من الطائف ، نافض كفيه من الناس ، عائذ بوجه ربه يقول : «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة». وفاض بها في رحلة الإسراء والمعراج. فلما سألته عائشة : هل رأيت ربك؟ قال : «نور. أنى أراه.».
ولكن الكيان البشري لا يقوى طويلا على تلقي ذلك الفيض الغامر دائما ، ولا يستشرف طويلا ذلك الأفق البعيد. فبعد أن جلا النص هذا الأفق المترامي ، عاد يقارب مداه ، ويقربه إلى الإدراك البشري المحدود ، في مثل قريب محسوس :
(مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ. الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ. الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ، يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ. نُورٌ عَلى نُورٍ ..)
التفسير :
(اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي هداها فهو الذي هدى السموات والأرض ومن فيهن. قال ابن عباس فيها : (أي هادي أهل السموات والأرض) فلا هدى إلا بهداه ، فكل نوع من أنواع الهدى فإنما هو به ومنه ، وقد تحدثنا عن ظاهرة الهداية في
![الأساس في التفسير [ ج ٧ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3153_alasas-fi-altafsir-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
