وهذا من المحتج به جهل ، وذلك أن الله تعالى إنما عنى بقوله : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) ، من يجوز إنفاذ الرسل إليهم ، فيعذب على ترك ما كلف ، فأما الأطفال فلا يعذبون عندنا على ترك ما كلفوا ، وإنما جعل الله تعالى ذلك العذاب حكما منه نافذا ، وقضاء ماضيا ، كما يؤلم الأطفال والبهائم في الدنيا ، فسقط ما قالوه جملة.
واستدل قوم بهذا في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام فآمنوا ، فلا تكليف عليهم فيما مضى ، وهذا صحيح. ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق العذاب من جهة العقل عندنا. وهو مضمون على قائله عندنا.
ولأبي حنيفة في ذلك خلاف ، وله مأخذ فيه يستقيم على نظر الفقهاء من غير استمداد من أقوال المعتزلة ، حتى لا يتوهم متوهم أن أبا حنيفة بنى تلك المسألة على أصول المعتزلة ، فإنه بعيد منها ، وذكرنا ذلك المأخذ في مسائل الخلاف في الكتاب الذي أفردناه للروايا.
ثم أبان الله تعالى أنه إن لم يهلك القرى قبل انبعاث الرسل ، فليس لأنه يقبح ذلك منه إن فعل ، ولكنه وعيد منه ولا خلف في وعده ، فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده ، كان على ما قاله تعالى :
(أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً)(١).
ليعلم أن من هلك إنما هلك بإرادته ، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى غاياتها ، ليحق القول السابق من الله تعالى :
قوله تعالى : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) ـ إلى قوله ـ (فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الآية / ١٨ ، ١٩.
__________________
(١) سورة الإسراء آية ١٦.
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3147_ahkam-alquran-03-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
