فإذا لم يقع في المعلوم كون فعل من الأفعال داعيا إلى الواجب العقلي ، ولا ناهيا عن القبيح العقلي ، لم يكن للإرسال فائدة ، وليس يجب أن يعلم الله تعالى ذلك من أحوال المكلفين جملة ، وربما علم من أحوال بعضهم ، فيجب إرسال الرسول إليه ، وربما لا يعلم ذلك ، فلا يجب إرسال الرسول إليه.
وفيهم من يقول : يجب على الله تعالى إرسال الرسل ، لأن ذلك أقرب إلى مظاهرة الحجة وأقوى في معنى اللطف.
وهذا الإخفاء ببطلانه ، إذ يلزم منه إبقاء الرسول أبدا أو توالي الرسل ، لأن ذلك أقرب إلى اللطف ، ولا شك أن إبقاء إبليس في الدنيا مع أعوانه أبعد عن اللطف من توالي الرسل ، ومظاهرة الحجة بهم.
وربما قالوا : العبد لا يعرى من مصالح في دينه لا يعلمها إلا بالسمع ، كما لا يعرى عن مصالح في الدنيا لا تعلم إلا بالخبر.
وهذا تحكم ، ومن أين وجد ذلك؟
وإذا ثبت أن الأصح من قول المعتزلة المذهب الأول ، فقال للمعتزلة : فما معنى قوله تعالى : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)؟ وعندكم يجوز في المعلوم أن ينهض العبد بالمصالح العقلية ، من غير افتقار إلى أفعال تكون لطفا في تلك المصالح وتعلم بالسمع ، وقد قال تعالى :
(وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) ، وعندكم في تلك الحال يجب أن لا يبعث رسولا ويعذب دون الرسول ، فتقدير الكلام : وما كنا نفعل ما يجب علينا فعله ، دون أن نبعث رسولا لا يجوز لنا بعثه في بعض الأحوال.
وهم اختلفوا في الجواب عن الآية ، فقال قائلون : المراد به عذاب
![أحكام القرآن [ ج ٣ ] أحكام القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3147_ahkam-alquran-03-04%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
