لهذا الموضوع (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) يمنعونهم من جريان حكم الله عليهم ، ويدفعون عذابه الذي أعدّ لهم ، وينقذونهم من عذابه ووثاقه وهكذا انتهت هذه المجموعة.
فوائد :
إن من أدق مواضيع المعرفة معرفة شمول الإرادة الإلهية ، ومعرفة أن الإنسان مختار ، وأنه لا تنافي بين عموم الإرادة الإلهية واختيار الإنسان ، وأن صفة الإرادة لله غير أوامره وغير رضاه ، فالله يأمر ولا يرضى إلا عما يأمر به ، فهناك تلازم بين الرضا والأمر ، وليس هناك تلازم بين الرضى والإرادة ، إن كل شىء بإرادة الله ، وهذا لا يتنافى مع اختيار الإنسان ؛ لأن قدرة الله على وفق إرادته ، وإرادته على وفق علمه ، والعلم كاشف لا مجبر. فالله عزوجل علم أزلا أن فلانا سيفعل ، وعلمه ليس مجبرا ، فأراد ذلك ، فأبرزه بقدرته ، فكونه أراده وأبرزه بقدرته لا يعني أنه أجبر ، لأنه لو لم يرده لم يكن ، ولو لم يبرزه لم يوجد فهو وحده الخالق ، على أن ما ذكرناه من ترتيب الإرادة على العلم إنما هو لمجرد الإفهام ، وليس هناك من ترتيب في الأزل ، فالله علم أزلا وأراد أزلا.
كلمة في السياق :
رأينا أن محور سورة النحل هو الآية التي تنذر الكافرين في سياق الأمر بالدخول في الإسلام ، وترك اتباع خطوات الشيطان ، وفي هذه المجموعة التي مرّت معنا نسف لحجة من حجج الكافرين ، وبيان أن كل الرسل قد بعثوا بعبادة الله واجتناب الطاغوت ، والأمر بالعبادة دعوة إلى الدخول في السلم ، والأمر باجتناب الطاغوت ، نهي عن طاعة الشيطان واتباع خطواته ، وهكذا أدّت هذه المجموعة دورها ضمن سياق السورة ، وقد رأينا في مقدمة الكلام عنها محلها الخاص ضمن السياق الخاص لسورة النحل ، والآن تأتي مجموعة ثالثة في هذا المقطع ، وتبدأ بذكر موقف للكافرين ، وهو : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ ...) ثمّ تردّ عليه ، فالمجموعة الجديدة تنسجم مع سياق السورة ، فما دامت السورة تفصّل الآية التي تنذر الكافرين باليوم الآخر إن لم يدخلوا في الإسلام كله ، فإنّ ذلك يقتضي كلاما عن هذا اليوم الذي ينكره الكافرون ، لقد كانت مقدمة هذا المقطع حديثا عن المستكبرين. ثم جاءت المجموعة الأولى فذكرت موقفا لهم وردّت عليه. ثم جاءت المجموعة الثانية فذكرت موقفا وردّت عليه ، ثم تأتي المجموعة الثالثة الآن فتذكر موقفا وترد عليه. وهذه هي المجموعة وتتألف من خمس آيات :
![الأساس في التفسير [ ج ٦ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3139_alasas-fi-altafsir-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
