ثم ختم الله هذه المجموعة بهاتين الآيتين : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ* فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) وقبل أن نفسرهما نحب أن نذكر كلمة حول السياق.
كلمة في السياق :
رأينا أن محور سورة النحل هو قوله تعالى من سورة البقرة (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.) الآتي في حيز قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* فَإِنْ زَلَلْتُمْ ....)
وقد رأينا أن المجموعة التي بين أيدينا حدثتنا عن مآل الذين يرفضون الدخول في السلم في الدنيا ، وعن مآل الذين يدخلون فيه بقبولهم كتابه. ورأينا أن الذين يرفضون كتاب الله هم المستكبرون الذين يتبعون خطوات الشيطان ، ثم تأتي هاتان الآيتان وفي الآية الأولى منهما شبه بآية البقرة لدرجة اتحاد بعض الألفاظ لتختم بهما هذه المجموعة ، فهذا دليل كذلك على أن اتجاهنا في فهمنا للوحدة القرآنية ، والسياق العام صحيح والحمد لله.
فلنفسر الآيتين : (هَلْ يَنْظُرُونَ) أي هؤلاء المستكبرون المشركون ، نلاحظ أن الخطاب عاد كما بدأ في أول المجموعة فكما بدأت المجموعة بخطاب المستكبرين ، بضمير الغائب : (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا ...) فالآن يتجه الخطاب إليهم بضمير الغائب (إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) أي هل ينتظر هؤلاء المستكبرون إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم فيكون حالهم كما وصف الله منذ قليل (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ...) ومن ثم ندرك أن ما ورد من قبل إنما هو تفصيل يخدم هذه الآية. (أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ) قال ابن كثير في تفسيرها : أي يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال ، ويشهد له أول آية في السورة (أَتى أَمْرُ اللهِ كَذلِكَ) أي مثل ذلك الفعل (فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) فتمادوا في الشرك والاستكبار والمكر حتى ذاقوا بأس الله وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال (وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ) أي فيما أذاقهم لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله ، وإنزال كتبه (وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أي بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاؤوا به ، فلهذا أصابتهم عقوبة الله (فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) أي فأصابهم جزاء سيئات أعمالهم (وَحاقَ بِهِمْ ما
![الأساس في التفسير [ ج ٦ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3139_alasas-fi-altafsir-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
