منها صلة القصة بمحور السورة من البقرة (هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) هذا إخبار بمعنى الإنكار (لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ) أي بحجة ظاهرة على عبادتهم وتسميتهم آلهة ، وهو كلام يراد به التبكيت ، لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال. والمعنى الحرفي : هلا أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلا واضحا صحيحا (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً) بنسبة الشريك إليه ، أي هم أظلم الناس في قولهم ذلك المفترى المكذوب ، وفي ذلك درس أن الإسلام لله ينبغي أن يرافقه كفر بالطاغوت وأهله ، ومعرفة لضلاله وضلال أهله ، وهذا كذلك من جملة الدروس التي تربط بين القصة ومحور سورة الكهف من سورة البقرة.
ثم خاطب بعضهم بعضا حين صحت عزيمتهم على الفرار بدينهم فقالوا : (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ) أي وإذ فارقتم قومكم ، وخالفتموهم في عبادتهم غير الله ، أي وإذ اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم إلا الله ، دلّ على أن قومهم كانوا يعرفون الله ولكنهم يشركون معه آلهة أخرى (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) أي صيروا إليه أو اجعلوا الكهف مأواكم ، لتفارقوهم بأبدانكم كما فارقتموهم في عبادتكم ، دل ذلك على أن مفارقة الكفر وأهله بالبدن مهم ، كمفارقتهم بالروح والقلب (يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ) أي يبسط عليكم رحمة يستركم بها من قومكم ، أو يبسط لكم من رزقه (وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ) الذي أنتم فيه (مِرْفَقاً) أي أمرا ترتفقون به أي تنتفعون به ، وإنما قالوا ذلك ثقة بفضل الله ، وقوة في رجائهم لتوكلهم عليه ، ونصوع يقينهم ، وقد دلّ هذا على أنّ الله أكرمهم لصدقهم بكمال معرفته ، فأصبحوا عارفين به حالا ومقالا وسلوكا ، ومن كمال معرفتهم أنهم عرفوا أن اعتزال قومهم بالكهف سيقابله عطاء من الله لهم (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ) أي تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم ، ومعنى ذات اليمين أي جهة اليمين والمعنى : أن الفيء يتقلص يمنة (وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ) أي تدخل إلى غارهم من شمال بابه ، ومعنى تقرضهم : أي تقطعهم أي تتركهم وتعدل عنهم (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) أي في متسع من الكهف داخلا بحيث لا تصيبهم. والمعنى هم في ظل نهارهم كله ، لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها ، مع كون الغار في غاية الصحة لكونه معرضا للشمس والتهوية ، فكانوا بحيث لا يحسّون كرب الغار ، وينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم. وقد استدل ابن كثير بهذا الوصف على أن باب هذا الكهف كان من ناحية الشمال. قال : وهذا بيّن لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة ، وسير الشمس والقمر
![الأساس في التفسير [ ج ٦ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3139_alasas-fi-altafsir-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
