الناس ، وتسمية الأشياء بغير أسمائها ، وتمويه الحقائق ، وإطلاق الأسماء البراقة الخلابة للعقول على غير مسمياتها ، وبكثرة الاختلاف بين الظاهر والباطن ، والأول والآخر ، والنظريات العلمية ، والتجارب العملية ، وهذا شأن الشعارات والفلسفات ، التي حلت محل الأديان ، وسحرت النفوس والعقول ، والكلمات التي أحاطت بها هالات التقديس والتمجيد ، وحل حبها ، واحترامها في قرارة النفوس ، وحبات القلوب ، وأصبح الشك في قدسها ، أو النقاش في كرامتها ، ومكانتها علامة للرجعية وإنكارا للبداهة ، والمشهود المحسوس ، وقد التبس الأمر بذلك على كبار الأذكياء ، ونوابغ العلماء ، فأصبحوا يتغنون بهذه الشعارات والفلسفات ، ويدعون إليها في إيمان وحماس ، من غير تمحيص لنية أصحابها وإخلاصهم ، أو شجاعة في تحديد نجاحها وإخفاقها في مجال العمل والتطبيق والمقارنة الصحيحة المحايدة ، بين ما كسبته الإنسانية والأمم الضعيفة وبين ما خسرته من سلطان هذه الشعارات وتحت رايتها ، من السعادة الحقيقية والحقوق الفطرية ، وهذا كله من قوة التدجيل وسحره ، وقد سرت هذه الروح «الدجلية المدلسة» في هذه الحضارة ، لسيرها على خط معارض لخط النبوة : الإيمان بالآخرة ، والإيمان بالغيب ، والإيمان بفاطر الكون ، وقدرته المطلقة ، واحترام شريعته وتعاليمه ، والاعتماد الزائد على الحواس الظاهرة والشغف الزائد ، بما يعود على الإنسان باللذة البدنية والمنفعة العاجلة ، والغلبة الظاهرة ، وهي النقطة التي تدور حولها سورة الكهف ، وما جاء فيها من قصص وعبر.
وقد كان مع الأسف للمسيحية المحرّفة ، وهي التي قادت الحضارة في أوربا بعد القرون الوسطى في العالم المتمدن ، ولليهودية الثائرة الموتورة دور متشابه ـ رغم الخلاف الجذري في العقيدة ـ في توجيه المدنية إلى المادية الرعناء ، المجردة من الروح وتعاليم الأنبياء ، والتأثير في مصير الإنسانية على حد سواء ، فقد بدأت الشعوب المسيحية التي تحررت من رق الكنيسة والبابوات ، وضعفت صلتها ـ إذا لم نقل تقطعت كليّا ـ بالمسيحية السمحة ، المؤسسة على التوحيد الخالص ، فاتجهت اتجاها ماديا عنيفا ، أصبح يهدد العالم ، ومصير الإنسانية بالاكتشافات العلمية الحديثة ، والمخترعات المدمرة المبيدة ، وفقدان التوازن بين العلم والعاطفة والعقل والضمير ، والصناعة والأخلاق.
وقد ساهم اليهود في العهد الأخير ـ لأسباب يعود بعضها إلى خصائص النسل والدم ، وبعضها إلى التعليم والتربية ، وبعضها إلى الغايات السياسية ، والمشاريع القومية ـ بأكبر قسط في العلم والفن ، والاكتشافات والاختراع ، وفي السيطرة على
![الأساس في التفسير [ ج ٦ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3139_alasas-fi-altafsir-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
