الذين يكفرون النعمة وينأون عن القرآن (يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) أي على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال ، أو على طبيعته ، وهذا شبيه بقول الشاعر : وكل إناء بالذي فيه ينضح. (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً) أي أسدّ مذهبا وطريقة منا أو منكم ، وسيجزي كل عامل بعمله. قال ابن كثير : وهذه الآية ـ والله أعلم ـ تهديد للمشركين ووعيد لهم. أقول : وفي الوقت نفسه ثناء على طبيعة المسلم. وفي هذا السياق يرد سؤال ، ويأتي جواب ويقرر تقرير. فلنر السؤال وجوابه والتقرير ، ثم لنر محله في السياق : أما السؤال فهو : (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) والسائل هم اليهود كما سنرى في الفوائد (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) أي من أمر يعلمه ربي ، أي مما استأثر الله بعلمه ، أو هي من عالم الأمر التكويني (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) أي وما أطلعكم من علمه إلا على القليل ، فإنه لا يحيط أحد بشىء من علمه إلا بما شاء تبارك وتعالى. والمعنى : أن علمكم في علم الله قليل. وهذا الذي تسألون عنه مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه ، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى. ولنا عودة على موضوع الآية ، وموضوع الروح في قسم الفوائد ، فهذه الروح التي آثارها ظاهرة ، والتي يدل عليها كثير من الظواهر ، والتي هي أقرب شىء إلى الإنسان ، يقف الإنسان ، عاجزا عن إدراك حقيقتها وكنهها. والآن ما الحكمة في إيراد هذه الآية في هذا السياق؟ بعد ذكر كفران النعمة ، وذكر كون القرآن شفاء؟ نلاحظ أن هذه الآية والآيتين قبلها قد وردت بين آيات تتحدث عن القرآن ، وخواصّه ، وإعجازه ، إذا عرفنا هذا فإنّ الشىء الذي يتبادر إلى الذهن هو : أن هذا القرآن الذي هو علاج للقلوب والأرواح ، ما كان ليكون كذلك ، لو لا أنه من عند الله ، وأن هذه الروح التي لا يعرف غير الله كنهها هو وحده الذي يضع النظام المناسب لها. فهذا الإنسان الذي لا يعرف نفسه يحتاج إلى هداية الله ، ومن ثم أنزل الله هذا القرآن الذي لا يستطيع أحد لا محمد صلىاللهعليهوسلم ولا غيره أن يأتي بمثله. ومن ثم يختتم المقطع بهذه الآيات. قال تعالى : (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) المعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من الصدور والمصاحف ، فلم نترك له أثرا (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) أي ثم لا تجد لك بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظا مسطورا ، إلا أن يرحمك ربك فيردّه عليك (إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً) في إنزال هذا القرآن ، وحفظه عليك. فالقرآن إذن ليس مصدره بشريا ، بل هو رباني. حتى محمد صلىاللهعليهوسلم لا يستطيع شيئا لو أراد الله أن يسلبه هذا
![الأساس في التفسير [ ج ٦ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3139_alasas-fi-altafsir-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
