اجتمع له التقوى والصبر. وقد قالوا في تفسيرها : من يتق مولاه ، ويصبر على بلواه ، لا يضيع أجره في دنياه وعقباه (قالُوا) معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق ، والسعة والملك ، والتصرف والنبوة أيضا على قول من لم يجعلهم أنبياء. وأقروا له بأنهم أساؤوا إليه وأخطأوا في حقه (تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا) أي اختارك وفضلك علينا (وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ) أي وإن شأننا وحالنا أنا كنا خاطئين متعمدين للإثم ، لم نتق ولم نصبر ، ولسان الحال يقول : لا جرم أن الله أعزك بالملك ، وأذلنا بالتمسكن بين يديك (قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) أي لا تأنيب عليكم ، ولا عتب ، ولا تعيير ، وقوله اليوم يفيد أنني لا أثر بكم اليوم ، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب ، فما ظنكم بغيره من الأيام ، ثم زادهم الدعاء بالمغفرة فقال (يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) أي إذا رحمتكم وأنا الفقير القتور ، فما ظنكم بالغني الغفور (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً) أي يصير بصيرا ، أو يأت إلي وهو بصير (وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ) أي بجميع آل يعقوب. لينعموا بآثار ملكي كما اغتموا بأخبار هلكي (وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ) أي خرجت من مصر (قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ) أي لو لا أن تنسبوني إلى الخرف والكبر ، إذ التفيد النسبة إلى الفند : وهو الخرف وإنكار العقل ، والمعنى : لو لا تفنيدكم إياي لصدقتموني (قالُوا) أي أسباطه (تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) أي لفي خطئك القديم من حب يوسف ، أو لفي نفس ذهابك القديم عن الصواب في إفراط محبتك ليوسف ، وعلى كل فقد قالوا كلمة غليظة ما ينبغي أن تقال لأب ، فكيف إذا كان رسولا (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ) أي حامل القميص (أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ) أي طرح البشير القميص على وجه يعقوب (فَارْتَدَّ بَصِيراً) أي فرجع مبصرا (قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) إشارة إلى أقواله السابقة (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) أو (لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ) أو (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) ، فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين : (قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ) أي سل الله مغفرة ما ارتكبنا في حقك وحق ابنك ، إنا تبنا واعترفنا بخطايانا (قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) أخر الاستغفار إما لوقت ، أو ليتعرف حالهم في صدق التوبة ، أو إلى أن يسأل يوسف هل عفا عنهم (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) أي من تاب إليه تاب عليه (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ) أي ضم إليه (أَبَوَيْهِ) أي يعقوب وزوجته ، أي خالته ، والخالة أم (وَقالَ) لهم بعد ذلك (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ)
![الأساس في التفسير [ ج ٥ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3138_alasas-fi-altafsir-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
