وبعد هذه المجموعة من الأوامر والنواهي :
يأتي الآن حض وتوجيه نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبيان حكمة الاختلاف وغير ذلك مما سنرى.
(فَلَوْ لا) أي فهلا (كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ) أي أولوا فضل ، يقال : فلان من بقية القوم أي من خيارهم ، ومنه قولهم : في الزوايا خبايا ، وفي الرجال بقايا (يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ) بالنهي عن الكفر والمعاصي (إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ) أي ولكن قليلا ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد ، وسائرهم تاركون للنهي ، والنجاة للناهين وحدهم (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي الكافرون والساكتون (ما أُتْرِفُوا فِيهِ) أي شهواتهم ، والمعنى : اتبعوا ما عرفوا فيه التنعم والترفه ، من حب الرياسة والثروة ، وطلب أسباب العيش الهنىء ، ورفضوا الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ونبذوه وراء ظهورهم (وَكانُوا مُجْرِمِينَ) هذا هو وصفهم الذي يستحقونه الإجرام ، وهكذا عجب الله ـ عزوجل ـ ألا يوجد في القرون الماضية ، بقايا من أهل الخير ، ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات ، والفساد في الأرض إلا قليلا ، هم الذين أنجاهم الله ـ عزوجل ـ عند حلول غضبه ، وفجأة نقمته ، ثم بين الله عزوجل سنته في الإهلاك ، فأخبر أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها ، ولم يأت قرية مصلحة بأسه وعذابه قط فقال : (وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) ولم يقل صالحين وإنما قال : مصلحون نزه ذاته تعالى عن الظلم ، وجعل من الظلم أن يهلك قرية وأهلها مصلحون ، ومن تتبع ما حل بالبلاد والقرى خلال العصور من عذاب فإنه يجد العذاب مرافقا للفساد ، ثم بين حكمة الاختلاف (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً) أي متفقين على الطاعات والإيمان عن اختيار ، ولكن لم يشأ ذلك (وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ) أي في الكفر وفي الإيمان ، ولكن شاء اختلافهم لعلمه بما سيختارونه (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) أي إلا المرحومين فهؤلاء متفقون على الحق ، فهؤلاء عصمهم الله عن الاختلاف ، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) قال مالك : فريق في الجنة وفريق في السعير ، أي خلقهم للذي علم أنهم سيصيرون إليه من اختلاف أو اتفاق ، ولم يخلقهم لغير الذي علم أنهم سيصيرون إليه (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) وهي (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (السجدة : ١٣) أخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره ـ لعلمه التام وحكمته النافذة ـ أن ممن خلقه من يستحق الجنة ، ومنهم من يستحق النار ،
![الأساس في التفسير [ ج ٥ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3138_alasas-fi-altafsir-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
