ضمائرهم من الندم والغم لما فرط منهم ، ثم هيجهم الله على التوبة والصدقة فقال : (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ) إذا صحت (وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ) أي ويقبلها إذا صدرت عن خلوص نية أي فاصدقوا بالتوبة وأخلصوا بالصدقة ، وتفيد الآية أن التوبة والصدقة ليست لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ولا لغيره بل هي لله ، فإن شاء قبل ، وإن شاء رد ، فاقصدوه فيهما ووجهوهما إليه (وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ) أي الكثير قبول التوبة (الرَّحِيمُ) بمن علم منه صدق الإنابة والإخلاص في العمل ، ثم أمر الله رسوله صلىاللهعليهوسلم أن يقول لهم (وَقُلِ) أي لهؤلاء التائبين (اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) أي فإن عملهم لا يخفى ، خيرا كان أو شرا ، على الله أو رسوله أو المؤمنين بإطلاع الله المؤمنين على عملهم ، وفي الآية حض لهم على العمل الصالح ، ووعيد لهم وتحذير من عاقبة الإصرار والذهول عن التوبة (وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ) أي ما يغيب عن الناس (وَالشَّهادَةِ) أي ما يشاهدونه (فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) يخبركم به ويجازيكم عليه. وهكذا وصف الله لأهل الإيمان ـ إذا تخلفوا عن النفير ـ طريق العودة إلى الله ، وهو التوبة النصوح والإنفاق والعمل الصالح ، وقد دلتنا هذه الآيات الأربع على صنف من المتخلفين تخلفوا وصدقوا في التوبة غاية الصدق. وبالغوا في الشعور بالذنب والاعتراف فيه. فقبل الله توبتهم مباشرة ، ودلهم على ما ينبغي فعله ، والآن يحدثنا عن فريق آخر من المتخلفين المؤمنين لم يبالغوا في التوبة كالأولين فأرجأ الله قبول توبتهم ، ثم قبلها كما ستحدثنا أواخر السورة (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ) أي وآخرون من المتخلفين موقوفون إلى أن يظهر أمر الله فيهم ، والإرجاء : التأخير (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ) إن لم يقبل توبتهم (وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) فلا يعذبهم إن قبل توبتهم (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) عليم بصدقهم أو كذبهم في توبتهم ، حكيم في تأخير قبول توبتهم ، وقد أظهر قبول توبتهم كما سنرى.
وهكذا استمر السياق يحدثنا عن حال من تخلف عن النفير في سياق الأمر بالنفير ، حتى إذا عرفنا كل ما ينبغي أن نعرفه عن موضوع التخلف عن النفير آن الأوان ليحدثنا السياق عما يسمى في اصطلاحات العصر الطابور الخامس : أي العدو الداخلي الذي ظاهره معنا وهو يعمل ضمن مخططات الأعداء ولصالحهم ، وما ينبغي فعله بهؤلاء وبمخططاتهم من خلال قصة مسجد الضرار (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً) أي مضارة للمسلمين (وَكُفْراً) أي وتقوية للنفاق (وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) ليجمعوا قسما منهم في مسجدهم ويشركوهم في مخططاتهم (وَإِرْصاداً) أي وإعدادا (لِمَنْ
![الأساس في التفسير [ ج ٤ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3137_alasas-fi-altafsir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
