نفاق (أَلَمْ يَعْلَمُوا) أي المنافقون (أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ) أي ما أسروه من النفاق بالعزم على إخلاف ما وعدوه (وَنَجْواهُمْ) أي ما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين ، وتسمية الصدقة جزية ، وتدبير منعها (وَأَنَّ اللهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) فلا يخفى عليه شىء ، وهكذا عرفنا من خلال هذه الآيات أن من صفات المنافقين منع الصدقة ، وانعدام الصلاح ، وإخلاف الوعد والكذب ، وهم ـ عليهم اللعنة ـ لا يكتفون بمنعهم الصدقات ، بل يعيبون أهلها ، كما ستقص علينا الآية الآتية : (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ) أي الذين يعيبون المتطوعين المتبرعين (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) المخلصين (فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) أي : طاقتهم أي ويعيبون الذين لا يجدون إلا القليل فينفقون منه ، فلا يسلم من لسانهم من أكثر من النفقة ، ومن أقل (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ) أي فيهزؤون من المؤمنين المقلين ، والمكثرين في الإنفاق (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ) أي جازاهم على سخريتهم (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) أي مؤلم (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) لأنهم كفار ، والله لا يغفر لمن كفر به ، والمعنى : وإن بالغت في الاستغفار فلن يغفر الله لهم ، وليس المراد بذكر السبعين التحديد والغاية ، وإنما المراد التكثير ، فالسبعون في لغة العرب تستعمل ويراد بها التكثير ، ولا يراد منها عينها إلا إذا دل السياق على ذلك (ذلِكَ) أي عدم المغفرة (بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) أي بسبب كفرهم بالله ورسوله ، ولا غفران للكافرين (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) أي الخارجين عن الإيمان ، ما داموا مختارين للكفر والطغيان. وبهذا تنتهي هذه المجموعة في هذا السياق ، وقد حددت مواصفات للمنافقين ، في سياق الأمر بجهادهم ، وحددت ما يستحقون من عقاب ، وحددت بعض ما يتنافى مع الأمر بجهادهم كالاستغفار لهم وسنرى في أسباب النزول نماذج لهؤلاء ولنلاحظ أن سبب النزول يعتبر إحدى حالات ما يدخل تحت عموم النص ويبقى النص على عمومه ليسع كل ما يدخل تحته من حالات.
فوائد :
١ ـ في سبب نزول قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ..) يقول ابن كثير : قد ذكر كثير من المفسرين منهم ابن عباس والحسن البصري أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، وقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير ههنا وابن أبي حاتم .. عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال لرسول الله صلىاللهعليهوسلم : ادع الله أن يرزقني مالا ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ويحك يا ثعلبة
![الأساس في التفسير [ ج ٤ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3137_alasas-fi-altafsir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
