يمثلون ظاهرة التخلف الذي لا حرج فيه ، وإنما ظاهرة التخلف التي فيها حرج هي ظاهرة التخلف الذي لا يرافقه عذر حقيقي جسمي أو مالي ، فهذا الذي هو علامة أهل النفاق ، الذين يتخلفون ويعتذرون ويحلفون ، ثم أخبر تعالى أن في الأعراب كفارا ومنافقين ، وأن كفر هؤلاء ونفاقهم أعظم من كفر ونفاق غيرهم وأشد ، كما أنهم أحرى أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله صلىاللهعليهوسلم ، وأن من هؤلاء الأعراب من يعتبر ما ينفق في سبيل الله غرامة وخسارة ، وينتظر بالمسلمين الحوادث ، والآفات وأن تدور عليهم الدوائر ، والأمر منعكس عليهم ، وفي المقابل فهناك القسم الممدوح من الأعراب ، وهم الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله ، ويبتغون بذلك دعاء الرسول صلىاللهعليهوسلم لهم وقد حقق الله لهم ما أرادوه. وبعد أن ذكر الله عزوجل التخلف المشروع ، والتخلف المرذول ، وبين وضع الأعراب ومواقفهم ، أخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم ، والنعيم المقيم. ثم أخبر تعالى أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقين ، وفي أهل المدينة أنفسهم منافقون ، مرنوا على النفاق ، واستمروا عليه ، وقد تهدد الله هؤلاء المنافقين بالعذاب الدنيوي مرة بعد مرة ، ثم بالعذاب الأخروي. ثم ذكر الله تعالى نوعا آخر من التخلف غير ما مر ، فالذي مر معنا نوعان : تخلف أهل النفاق ، وتخلف أهل العذر ، والآن يحدثنا السياق عن الذين تأخروا عن الجهاد كسلا ، وميلا إلى الراحة ، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق ، وقد أقروا واعترفوا ، بينهم وبين ربهم بذنوبهم ، ولهم أعمال أخر صالحة ، خلطوا هذه بتلك ، فهؤلاء تحت عفو الله ، وقد أمر الله رسوله صلىاللهعليهوسلم في هذا المقام أن يأخذ من أموال الناس صدقة ، ليطهروا ويزكوا ، ووجود هذا الأمر في هذا السياق فيه إشعار لهؤلاء المذنبين بأن طريق تكفيرهم ذنبهم العظيم بالتخلف هو هذا ، وقد أمر الله رسوله صلىاللهعليهوسلم أن يدعو لهؤلاء المتصدقين ، ثم هيج الله عباده على التوبة والصدقة ، بتذكيرهم بقبوله التوبة ، وأخذه الصدقات ، وأنه التواب الرحيم.
ثم أمر الله تعالى عباده جميعا أن يعملوا ، وأعلمهم أن أعمالهم معروضة عليه ، ثم طمع الله بعض المتخلفين بأن أمرهم إليه ، إن شاء تاب وعفا ، وإن شاء عذب.
وهكذا ذكرت أنواع التخلف عن النفير ، وصفات كل نوع ومواصفاته وحكمه وطريقه ، ثم بعد ذلك يستمر السياق في عرض قضية النفاق ، لأن السياق الخاص في هذا المقطع هو الأمر بقتال المنافقين ، فلا بد من تعريتهم.
![الأساس في التفسير [ ج ٤ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3137_alasas-fi-altafsir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
