وبعد أن أجملت المجموعة السابقة موقف المنافقين جملة من النفير تأتي الآن مجموعات كل مجموعة تتحدث عن نموذج من نماذج النفاق من خلال موقفهم من النفير. النموذج الأول : نموذج يعتذر عن الجهاد بحجة ظاهرها أنها حجة يمليها الدين وهو كاذب منافق. وهذا هو النموذج (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي) أي في التخلف عن الجهاد والنفير (وَلا تَفْتِنِّي) أي ولا توقعني في الفتنة ـ وهي الإثم ـ بألا تأذن لي فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت ، أولا تلقني في الهلكة فإني إذا خرجت معك هلك مالي وعيالي ، والآية عامة تدخل فيها صور كثيرة وسبب النزول يحدد أحد معانيها وسنذكره (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها بتخلفهم عما فرضه الله وأي فتنة أعظم من القعود عن الجهاد (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) أي لا محيد لهم عنها ولا محيص ولا مهرب لأن أسباب الإحاطة معهم ، هذا هو النموذج الأول وأصحابه يعتذرون عن الجهاد بصورة عذر ظاهره شرعي وهم منافقون في الحقيقة بدليل عواطفهم التي عبرت عنها الآية اللاحقة وهي (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ) أي ظفر وغنيمة في غزوة (تَسُؤْهُمْ) لأن عواطفهم كافرة لا تفرح لفرح أهل الإيمان (وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ) أي نكبة وشدة في بعض غزواتك (يَقُولُوا) مفتخرين بشدة احتراسهم ، راغبين بأنفسهم أن يصيبهم ما أصاب المؤمنين (قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا) الذي نحن متسمون به من الحذر والتيقظ والعمل بالحزم (مِنْ قَبْلُ) أي من قبل ما حدث من النكبة والشدة (وَيَتَوَلَّوْا) أي ويعرضوا (وَهُمْ فَرِحُونَ) أي مسرورون وهنا يأمر الله رسوله صلىاللهعليهوسلم أن يقول لهؤلاء ثلاثة معان. المعني الأول (قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللهُ لَنا) أي ما قضى لنا من خير وشر (هُوَ مَوْلانا) الذي يتولانا ونتولاه وهو الذي يرعى شأننا كله ، ومهما أصابنا من شىء فهو ـ وإن كان ظاهره شرا فإنه في النهاية ـ خير لنا في دنيانا وأخرانا (وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) أي وحق المؤمنين ألا يتكلوا على غير الله ونحن متوكلون على ربنا ومنفذون أمره فلا تشمتوا بما يصيبنا فهو الذي يعوض علينا ويبدل عسرنا يسرا وهزيمتنا انتصارا. المعنى الثاني (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا) أي تنتظرون بنا (إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) تثنية حسنى وهما هنا النصر أو الشهادة (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ) إحدى السوءيين وهما (أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ) كما عذب غيركم من الكافرين (أَوْ بِأَيْدِينا) بأن نقتلكم بكفركم (فَتَرَبَّصُوا) أي بنا ما ذكرنا (إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) أي منتظرون ما هو عاقبتكم. المعنى الثالث الذي أمر الله رسوله أن يقوله لهؤلاء المنافقين (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) أي طائعين أو
![الأساس في التفسير [ ج ٤ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3137_alasas-fi-altafsir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
