ابتداء الآية أيمانهم التي أظهروها ، وههنا أيمانهم على الحقيقة ، فإنها لا تساوي شيئا (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) فليس هناك من طريق لانتهائهم عن الفساد إلا القتال ، ألا فليعقل المسلمون ذلك ، ثم حرض على القتال فقال (أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ) التي حلفوها في المعاهدة (وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ) من مكة ، يذكرهم بفعلهم برسولهم وبهم فكيف يترددون في القتل والقتال (وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) والبادىء أظلم ، فما يمنعكم من قتالهم وفي الآية توبيخ على ترك القتال ، وحض عليه ، وتذكير بما يوجب القتال ، من نكث العهد ، وإخراج الرسول ، والبدء بالقتال من غير موجب (أَتَخْشَوْنَهُمْ) هذا توبيخ على الخشية منهم (فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ) أي فالله أحق أن تخشوه فقاتلوا أعداءه (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي إن قضية الإيمان الكامل ألا يخشى المؤمن إلا ربه ، ولا يبالي بمن سواه ، ولما وبخهم الله على ترك القتال جدد لهم الأمر به (قاتِلُوهُمْ) ووعدهم النصر ليثبت قلوبهم ويصحح نياتهم (يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ) بالقتل (وَيُخْزِهِمْ) بالأسر (وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ) أي ويغلبكم عليهم (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) مما أصابهم من أذيتهم (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) لما لقوا منهم من المكروه ، وقد حصلت هذه المواعيد كلها فكانت معجزة خاصة زائدة على ما في القرآن كله من إعجاز عام (وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) هذا إخبار بأن بعضا من المشركين يتوب ويدخل في الإسلام (وَاللهُ عَلِيمٌ) يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان (حَكِيمٌ) في قبول التوبة.
وبعد أن فرض القتال ، وأعلن البراءة ، وبين حكمة القتال وضرورته ، بدأ السياق يصحح التصورات (أَمْ حَسِبْتُمْ) هذا توبيخ على وجود مثل هذا التصور (أَنْ تُتْرَكُوا) أي أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب ، ولهذا جاء بعده (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) أي : بطانة ودخيلة ، ففي الآية أمر بالجهاد ، ونهي عن اتخاذ الذين يضادون رسول الله صلىاللهعليهوسلم والمؤمنين بطانة ودخيلة ، وخلانا وأصفياء والمعنى : أظننتم هذا الحسب الخاطىء أن تتركوا ولا مجاهدة ولا براءة من المشركين. والمعنى : لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يتبين المخلصون منكم ، وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله ، ولم يتخذوا بطانة من دون المؤمنين ودل قوله تعالى (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا ..) على أن الذين لم يخلصوا دينهم لله سيميز الله بينهم وبين المخلصين ويعرفون (وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) أي من خير أو شر فيجازيكم
![الأساس في التفسير [ ج ٤ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3137_alasas-fi-altafsir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
