المرجع والمآب وفي هذا تنبيه ووعيد. (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا). أي : محمد عليه الصلاة السلام. (يُبَيِّنُ لَكُمْ) شرائع الله ، وما كنتم تخفون ، وما كنتم فيه تختلفون (عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ). أي : جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل ، وانقطاع من الوحى. (أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ). أي : لئلا تحتجوا بذلك. (فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ) بشير للمؤمنين ، ونذير للكافرين ، وفي الآية معنى الامتنان بأنّ الرّسول بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي ، وكانوا أحوج ما يكونون إليه. ليهشوا إليه ، ويعدّوه أعظم نعمة من الله ، وتلزمهم الحجة ؛ فلا يقولون غدا بأنه لم يرسل إليهم من ينبهم من غفلتهم. (وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ومن كمال قدرته أن يرسل محمدا صلىاللهعليهوسلم على مثل هذا الكمال ، ويعطيه مثل ما أعطاه. وأن يعاقب من عصاه. ويثبت من أطاعه. وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من المقطع ، بعد أن عرضت ما أخذ به العهد على بني إسرائيل ، وكيف أنهم نقضوه ، وبعد أن عرضت : أن العهد أخذ على النصارى ، وضربت لنا نماذج على نقضهم العهد في ادّعائهم أنّ المسيح هو الله ، وبعد أن فنّدت دعاواهم ، وأقامت عليهم الحجة بمتابعة رسول الله صلىاللهعليهوسلم ليتداركوا ما فاتهم من نقض المواثيق ، وأن ذلك هو وحده طريق النجاة والصراط المستقيم.
فوائد :
١ ـ قال ابن كثير ، وقد قال بعض شيوخ الصوفيين لبعض الفقهاء : أين تجد في القرآن أنّ الحبيب لا يعذّب حبيبه؟ فلم يردّ عليه. فتلا عليه الصوفي هذه الآية : (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) وهذا الذي قاله حسن وله شاهد في المسند للإمام أحمد حيث قال : عن أنس رضي الله عنه قال : مرّ النبي صلىاللهعليهوسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق ، فلمّا رأت أمّه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ ، فأقبلت تسعى وتقول ابني! ابني ، وسعت فأخذته. فقال القوم يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ولدها في النّار. قال : فحفظهم النبي صلىاللهعليهوسلم فقال لا والله ما يلقي حبيبه في النار» تفرد به أحمد.
٢ ـ أخرج ابن إسحق عن ابن عباس قال : وأتى رسول الله صلىاللهعليهوسلم نعمان بن آصا وبحري بن عمرو ، وشاس بن عدي ، فكلّموه ، وكلّمهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ودعاهم إلى الله وحذّرهم نقمته. فقالوا : ما تخوّفنا يا محمّد ، نحن والله أبناء الله وأحباؤه كقول النصارى ، وأنزل الله فيهم (وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) إلى آخر الآية رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
![الأساس في التفسير [ ج ٣ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3136_alasas-fi-altafsir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
