إن أقاموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، وصدّقوا رسل الله ، ونصروهم ، وأنفقوا في سبيل الله. ووعدهم كذلك مع الرعاية والنصرة ـ إن وفوا بهذا ـ أن يمحو عنهم ذنوبهم ، ويسترها عليهم فلا يؤاخذهم بها ، وأن يدخلهم جنتّه ، ثمّ هدّدهم أنّه من خالف هذا الميثاق من عقده وتوكيده وشدّه. فجحده وعامله معاملة من لا يعرفه فقد أخطأ الطريق الواضح ، وعدل عن الهدى إلى الضّلال ، ثمّ أخبر تعالى عما حلّ بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقه ونقضهم عهده ، لقد أبعدهم عن الحق ، وطردهم عن الهدى ، وجعل قلوبهم قاسية لا تتعظ بموعظة حتى تأوّلوا كتابه ، وحملوه على غير مراده ، وقالوا عليه ما لم يقل ، وتركوا العمل به رغبة عنه ، ونسوا قسما منه فعطلوه ، ثم أخبر الله رسوله صلىاللهعليهوسلم أن حالهم الملازم لهم هو المكر والغدر والخيانة ، وأنّه لا يزال يطّلع عليها منهم ، وأمره مع هذا بالعفو عنهم والصفح إحسانا لأن الله يحب المحسنين ، وهذا ـ والله أعلم ـ عندما يكونون ذمّة للمسلمين ، وأما في حالة كونهم أهل حرب فالحذر والحرب ، وبعضهم قال إن الأمر بالصفح والعفو كان قبل الأمر بالقتال ، وفي المعنى الحرفي بيان ، وبعد أن بيّن الله ـ عزوجل ـ الميثاق الذي أخذه على اليهود ، وعقوبتهم إذا خالفوه ، بيّن عاقبة النصارى إذ نقضوا ميثاقه ، فنسوا قسما مما ذكّروا به ، فعاقبهم على ذلك في الدنيا ، بإلقاء العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة ، كل طائفة منهم تكفّر الأخرى ، وعذاب في الآخرة أكبر إذ يحاسبهم على ما ارتكبوا من الكذب عليه سبحانه وعلى رسله عليهمالسلام ، وما نسبوه إلى الربّ ـ عزوجل ـ وبعد أن بيّن الله ـ عاقبة نقض الميثاق ، وجّه النّداء لأهل الكتاب في هذا السياق ، مخبرا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدا صلىاللهعليهوسلم بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض ، عربهم وعجمهم ، أمّيّهم وكتابيّهم ، وأنّه بعثه بالبيّنات ، والفرق بين الحقّ والباطل ، مبيّنا لهم ما بدّلوه وحرّفوه وأوّلوه وافتروا على الله ، ويسكت عن كثير مما غيّروه مما لا فائدة في بيانه ، ثمّ أخبر تعالى عن القرآن العظيم الذي أنزله على نبيّه الكريم ، فوصفه بأنه نور وكتاب واضح ، وأنّ الذي يتّبع رضوان الله يهتدي به إلى طريق النّجاة والسّلامة ومناهج الاستقامة ، فينجّيهم من المهالك ، ويوضّح لهم أين المسالك ، ويصرف عنهم المحذور ويحصّل لهم أحب الأمور ، وينفي عنهم الضّلالة ويرشدهم إلى أقوم حالة.
وبعد أن بيّن الله عاقبة نقض الميثاق ، وبيّن لأهل الكتاب مهمّة من مهمّات رسوله ،
![الأساس في التفسير [ ج ٣ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3136_alasas-fi-altafsir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
