الإنس والجن (وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ). أي : بساه عن عملهم (وَرَبُّكَ الْغَنِيُ) عن عباده وعن عبادتهم (ذُو الرَّحْمَةِ) عليهم بالتكليف ليعرضهم للمنافع الدائمة (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) أيها الظلمة (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ). أي : من الخلق المطيع (كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ). أي : من أولاد قوم آخرين (إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ). أي : إن الذي توعدونه من البعث والحساب والثّواب والعقاب لكائن (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ). أي : بفائتين لنا بل سنحشركم ، وهذا ردّ لقولهم من مات فقد فات (قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ). أي : اعملوا على تمكّنكّم من أمركم ، وأقصى استطاعتكم ، وإمكانكم ، أو اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها (إِنِّي عامِلٌ). أي : على مكانتي التي أنا عليها أي : اثبتوا على كفركم وعداوتكم لي ، فإنّي ثابت على الإسلام ، وعلى مصابرتكم ، وهو أمر تهديد ووعيد ، ودليل ذلك ما بعده (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ). أي : فسوف تعلمون أيّنا تكون له العاقبة المحمودة ، وهذا طريق في الإنذار (إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ). أي : الكافرون. وبهذا انتهت الفقرة الثانية من المقطع الأول من القسم الثاني من سورة الأنعام.
فوائد :
١ ـ عند قوله تعالى : (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ....) تثور معركة كلامية حول هل أرسل الله رسلا للجن منهم أو أن الرسل جميعا من الإنس؟ قال ابن كثير : (والرسل من الإنس فقط ، وليس من الجن رسل كما قد نص على ذلك مجاهد ، وابن جريج ، وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف ، وقال ابن عباس : الرسل من بني آدم ، ومن الجن نذر. وحكى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم أنه زعم أن في الجن رسلا ، واحتج بهذه الآية الكريمة وفيه نظر لأنها محتملة وليست بصريحة ....).
٢ ـ وعند قوله تعالى : (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى ، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين».
كلمة في السّياق :
قلنا : إن الفقرة الثانية في هذا المقطع تتألف من مقدمة ، وثلاث مجموعات ، ولقد رأينا
![الأساس في التفسير [ ج ٣ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3136_alasas-fi-altafsir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
