وبعد هذا الذي قدّمناه عن وحدة المقطع ، ومحله في السياق الخاص لسورة الأنعام ، وصلته بمحور السّورة من البقرة ، فلننقل ما قدّم به سيد قطب لهذا المقطع مبيّنا وحدته وتلاحمه قال رحمهالله :
«هذا الدرس بطوله لحمة واحدة ؛ يتناول موضوعا متصل الفقرات .. إنه يعالج الموضوع الأساسي في السورة ـ وهو بناء العقيدة على قاعدة من التعريف الشامل بحقيقة الألوهية وحقيقة العبودية. وما بينهما من ارتباطات ـ ولكنه يعالجه في أسلوب آخر غير ما جرى به السياق منذ أول السورة .. يعالجه في أسلوب القصص والتعقيب عليه .. مع استصحاب المؤثرات الموحية التي تزخر بها السورة .. ومنها مشهد الاحتضار الكامل السمات ؛ وذلك كله في نفس طويل رتيب يتوسط الموجات المتلاحقة التي تحدثنا عنها في تقديم السورة ..
والدرس ـ في جملته ـ يعرض موكب الإيمان الموصول منذ نوح ـ عليهالسلام ـ إلى محمد صلىاللهعليهوسلم ، وفي مطلع هذا الموكب يستعرض حقيقة الألوهية ـ كما تتجلى في فطرة عبد من عباد الله الصالحين ، إبراهيم عليهالسلام ـ ويرسم مشهدا رائعا حقا للفطرة السليمة ، وهي تبحث عن إلهها الحق ، الذي تجده في أعماقها ، بينما هي تصطدم في الخارج بانحرافات الجاهلية وتصوراتها .. إلى أن يخلص لها تصور حق ، يطابق ما ارتسم في أعماقها عن إلهها الحق. ويقوم على ما تجده في أطوائها من برهان داخلي هو أقوى وأثبت من المشهود المحسوس. ذلك حين يحكي السياق عن إبراهيم عليهالسلام بعد اهتدائه إلى ربه الحق ، واطمئنانه إلى ما وجده في قلبه منه : (وَحاجَّهُ قَوْمُهُ. قالَ : أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ؟ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ. إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً ، وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ، أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ؟ وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً؟ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ؟).
ثم يمضي السياق مع موكب الإيمان الموصول ؛ يقوده الرهط الكريم من رسل الله على توالي العصور ؛ حيث يبدو شرك المشركين وتكذيب المكذبين لغوا لا وزن له. يتناثر على جانبي الموكب الجليل ، الماضي في طريقه الموصول. وحيث يلتحم آخره مع أوله ، فيؤلف الأمة الواحدة ، يقتدي آخرها بالهدى الذي اهتدى به أولها ، دون اعتبار لزمان أو مكان ودون اعتبار لجنس أو قوم ، ودون اعتبار لنسب أو لون .. فالحبل الموصول
![الأساس في التفسير [ ج ٣ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3136_alasas-fi-altafsir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
