ولو كان هو الإشعاع ـ لا يمكن تعليلها إلا بتصور وجود إله خالق مدبّر. يخلق الكون بحالة تسمح بنشأة الحياة فيه ؛ وتسمح بكفالة الحياة أيضا بعد وجودها. والحياة الإنسانية بخصائصها الباهرة درجة فوق مجرّد الحياة ... ولا بد من إرادة مدبّرة تمنح الإنسان الحياة ، وتمنحه خصائص الإنسان.
.... إن التعليل الإسلامي لانبثاق الحياة في درجاتها المتفاوتة هو الحل الوحيد لهذه الظاهرة التي لا تعللها المحاولات المادية البائسة!».
ولنعد إلى عرض المعنى الحرفي ، فبعد المقدمة تأتي مجموعتان في المقطع الأول :
مجموعة تبين بعض مواقف الكافرين ، وتناقشهم ، وتحذرهم ، ومجموعة تأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم أن يخاطبهم بمعان :
(وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ) أي : وما يظهر لهم دليل قط من الأدلّة التي يجب فيها النظر والاعتبار وتؤدي إلى الإيمان (إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ). أي : إلا كانوا تاركين للنظر فيها لا يلتفتون إليها لقلة خوفهم وتدبّرهم في العواقب وأعظم آية القرآن ، وأعظم دليل على إعراضهم عن الآيات تكذيبهم له (فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِ). أي بالقرآن وهو أعظم آية وأكبرها ، بدليل أنهم تحدّوا فعجزوا عنه (لَمَّا جاءَهُمْ). أي حين جاءهم (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ). أي فسوف يأتيهم أنباء الشىء الذي كانوا به يستهزؤون وهو القرآن ، أي أخباره وأحواله يعني : سيعلمون بأي شىء استهزءوا ، وذلك عند إرسال العذاب عليهم في الدنيا ، أو يوم القيامة ، أو عند ظهور الإسلام وعلوّ كلمته (أَلَمْ يَرَوْا). أي : هؤلاء المكذّبون (كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) القرن : هو مدة انقضاء أهل كل عصر (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) الخطاب هنا أول ما يتوجه لأهل مكة لأنّهم أوّل من خوطب بهذا القرآن ، والتمكين في البلاد إعطاء المكنة ، والمعنى لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا عادا وثمود وغيرهم ، من البسطة في الأجسام ، والسّعة في الأموال ، والاستظهار بأسباب الدنيا (وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً). أي : وأرسلنا المطر عليهم كثيرا (وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ). أي : من تحت أشجارهم والمعنى : عاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار وسقوا الغيث المدرار (فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) ولم يغن عنهم سلطانهم وما كانوا فيه شيئا (وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ). أي : جيلا آخر بدلا منهم لنختبرهم ، فعملوا مثل أعمالهم ، فأهلكوا كإهلاكهم ، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل ما أصابهم ، فما أنتم بأعز على الله منهم ، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم فأنتم أولى بالعذاب
![الأساس في التفسير [ ج ٣ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3136_alasas-fi-altafsir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
