على أنّه في صراع مع الشر لا يهدأ ، وفي الحكم الذي ذكرناه ، نلاحظ أن المسلم لا يتناقض مع نفسه ، فهو لا يقتل ما حرّم عليه ثمّ يأكله ، فيبني حلا على حرمة.
٨ ـ جاء في الحديث : «ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى» وروى البغوي في معجمه أنّ ثعلبة بن حاطب الأنصاري قال : يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا ، فقال النّبي صلىاللهعليهوسلم : قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه». نذكر هذا بمناسبة قوله تعالى : (وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ).
٩ ـ رأينا أنّ سورة المائدة امتداد لسورة النساء من حيث كونها طريقا وتعميقا لقضية التقوى ، ولقد ختمت هذه الفقرة بقوله تعالى : (فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فلا فلاح إلا بتقوى ، ولا تقوى إلا باتباع كتاب الله في كل حال.
كلمة في السياق :
بعد أن بيّن الله ـ عزوجل ـ أنه لا يصح لنا أن نحرّم طيبات ما أحل لنا ، وبيّن لنا بعض الخبائث التي حرّمت علينا ، وبعد أن ذكر أن صيد البر حال الإحرام لا يجوز ـ وهي حالة مستثناة من الحل العام ـ ينهانا في الفقرة اللاحقة أن نسأل ؛ رغبة في التحريم ، ويبين لنا أن ما حرّمه أهل الجاهلية على أنفسهم ، من عند أنفسهم ليس حراما ، بل إن ما حرّموه على أنفسهم من عند أنفسهم دليل على ضحالة العلم والعقل (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ). أي : تغمّكم وتشق عليكم ، إذ تؤمرون بتحمّلها فتعرّضون أنفسكم لغضب الله بالتفريط فيها ، وفي هذا تأديب من الله تعالى لعباده المؤمنين ، ونهي لهم عن أن يسألوا عن أشياء ممّا لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها ؛ لأنّها إن أظهرت لهم تلك الأمور ربّما ساءتهم ، وشقّ عليهم سماعها (وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) يحتمل معنيين. الأول : وإن تسألوا عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي ـ وهو ما دام الرسول صلىاللهعليهوسلم بين أظهركم ـ تبد لكم تلك التكاليف التي تسوؤكم ، ويترتب على ذلك تفريط. والمعنى الثاني : أي : وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها حين ينزّل الوحي على رسول الله صلىاللهعليهوسلم تبيّن لكم ، وعلى هذا يكون المعنى : إن السؤال لتفهم الوحي جائز ، وأما السؤال ابتداء فقد يترتب عليه ضرر عام ، وهذا لا يجوز (عَفَا اللهُ عَنْها). عفا الله عما سلف من
![الأساس في التفسير [ ج ٣ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3136_alasas-fi-altafsir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
