الله ـ عزوجل ـ حكمه في قضية من قضايا الجاهليين ، فقد كان الجاهليون يتركون بعض الأنعام لا يجيزون حلبها لأحد من الناس ، وهذه هي البحيرة ، ويتركون بعض الأنعام يسيّبونها لآلهتهم فلا يحملون عليها شيئا ، وهذه هي السائبة. وكانت الناقة البكر إذا بكّرت في أول نتاج بأنثى ثم ثنّت بأنثى يسيّبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر ، وهذه هي الوصيلة ، وسنرى تفسيرا آخر للوصيلة ، وكان الفحل من الإبل إذا لقح عددا من الإناث دعوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل فلم يحمل عليه شىء وسمّوه الحامي.
بين الله ـ عزوجل ـ أن هذا كله ليس من دينه ولا شرعه ، وليست هذه الأشياء عنده قربة ، ولكن المشركين افتروا ذلك وجعلوه شرعا لهم وقربة يتقربون بها إليه ، وليس ذلك بحاصل لهم بل هو وبال عليهم ، وهم في هذا كله كاذبون على الله وجهلة لا عقل لهم إذ يضيّعون المال بلا مقابل ، والجنون في هؤلاء أنّهم إذ دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه ، وإلى ترك ما حرّمه مما فيه مصلحتهم في دنياهم وأخراهم قالوا : يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد ، من الطرائق والمسالك مع ما عليه الآباء من الجهل والضلال ، فلا علم ولا هداية ، ولا فهم ولا معرفة ، فكيف يتّبعونهم والحالة هذه ، ألا إنه لا يتّبعهم في هذه الحالة إلا من هو منهم وأضلّ سبيلا. ثمّ أمر الله ـ عزوجل ـ عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ، ويفعلوا الخير بجدهم وطاقتهم ، مخبرا لهم أنّه من أصلح أمره لا يضرّه فساد من فسد من النّاس ، سواء كان قريبا منه أو بعيدا. وأن لله المرجع ، وهو الذي سيحاسب ويجزي كلّا بعمله ، ثم بيّن الله ـ عزوجل ـ أنه في حالة كون الواحد منا مسافرا وأدركته الوفاة فإنّ عليه في هذه الحالة أن يوصي ، وأن يشهد على وصيته اثنين من عدول المسلمين ، فإذا لم يتوافر له ذلك فليشهد اثنين من غير المسلمين ، وإنّما جاز استشهاد غير المسلمين في هذه الحالة للضرورة عند فقد المسلمين. قال شريح : لا تجوز شهادة اليهود والنصارى إلّا في سفر ، ولا تجوز في سفر إلا في الوصيّة. فإذا شكّ ورثة الميّت بأنّهما خانا أو غلّا أو غير ذلك ، حبسا بعد صلاة يجتمع فيها الناس ، فيحلفان بالله أنّهما لا يشتريان بأيمانهما أي : لا يعتاضان بها عوضا من الدنيا الفانية الزائلة ، ولو كان المشهود عليهم قريبا فإنّهما لا يحابيان ، وأنهّما لا يكتمان الشهادة ، وأنّهما إن فعلا ذلك من تحريف الشهادة ، أو تبديلها ، أو تغييرها ، أو كتمانها بالكلية ، يكونان من الآثمين ، فإن اشتهر وظهر وتحقّق من الشاهدين الوصيّين أنهّما خانا أو غلّا شيئا من المال الموصى به إليهما ، وظهر عليهما بذلك ، وتحقق ذلك
![الأساس في التفسير [ ج ٣ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3136_alasas-fi-altafsir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
