قسّيسين ورهبانا ، وأن فيهم تواضعا واستكانة ، واليهود على خلاف ذلك. قال النّسفى : وفيه دليل على أن العلم أنفع شىء وأهداه إلى الخير ، وإن كان علم القسّيسين ، وكذلك علم الآخرة وإن كان في راهب ، والبراءة من الكبر وإن كانت في نصراني (وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِ) وصفهم برقّة القلوب ، وأنهّم يبكون عند استماع القرآن. ومعنى تفيض من الدمع : أي تمتلىء من الدمع حتى تفيض لأن الفيض أن يمتليء الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه ، أو أن أعينهم جعلت كأنها تفيض بنفسها من أجل البكاء. وفي قوله تعالى (مِنَ الْحَقِّ) إن أريد ب (من) التبعيض يكون المعنى عرفوا بعض الحق فأبكاهم ، فكيف إذا عرفوه كله ، فقرأوا القرآن وأحاطوا بالسنّة (يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا). أي : بمحمّد صلىاللهعليهوسلم (فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي : مع أمة محمد صلىاللهعليهوسلم الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة ، قالوا ذلك لمعرفتهم وصف هذه الأمّة بذلك (وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا). أي : وبما جاءنا (مِنَ الْحَقِ). أي : محمدا عليه الصلاة والسلام والقرآن وفي استفهامهم هذا معنى الإنكار والاستبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه وهو الطمع في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين ، ولذلك ختمت الآية بقوله تعالى على لسانهم (وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ) والتقدير ونحن نطمع أن يدخلنا ربنا الجنة مع الأنبياء والمؤمنين (فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا). أي : بقولهم ربنا آمنا وتصديقهم (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) قال النسفي : فيه دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان ، وحتى لا يفهم فاهم أن هذا الثناء على النصارى جميعا عقّب فقال (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) هذا أثر الرّدّ في حق الأعداء ، والأوّل أثر القبول للأولياء ، فالثناء على نصارى من نوع خاص اجتمعت لهم صفات ، منها قبول الإسلام ، وهذا شىء يجب أن يضعه الدعاة إلى الله نصب أعينهم.
ملاحظات في السيّاق :
١ ـ لقد تحدّث القسم الأوّل من سورة المائدة عن الفسوق والخسران ، ونقض العهد والإفساد في الأرض ، وأسباب الهداية والضلال ، ثمّ جاء القسم الثاني فعمّق في موضوع الهداية والضلال ، وموضوع الفسوق والفساد في الأرض ، وقطع ما أمر الله به أن يوصل ، ثمّ جاء القسم الثالث في مقطعيه آمرا بالتبليغ بانيا على ما مرّ من قبل في السورة محرّرا من
![الأساس في التفسير [ ج ٣ ] الأساس في التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3136_alasas-fi-altafsir-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
